حصار روسيا يبدأ من أوروبّا

يعجز الغرب عن قراءة اللغة الروسيّة. واللغة عبارة عن “أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم” بحسب معجم المعاني الجامع. لذلك وبتعبير أدقّ، يواجه الغرب صعوبات في فهم “الأغراض” الروسيّة والأهداف النهائيّة التي يصبو إليها الساسة في أكثر من منطقة حول العالم.

وعلى العكس، لا يعاني الرئيس الروسي #فلاديمير_بوتين في قراءة الأهداف الغربيّة لأنّها، أغلب الظن، غير متبلورة بعد. فكلّ ما يدركه السياسيّون الغربيّون ويكرّرونه أنّ #روسيا عدائيّة تجاه أوروبا ومساهِمة في تدهور الأمور داخل سوريا. لذلك تُعتبر نظرة الحكّام الغربيّين قاصرة عن أن تشكّل ردّ فعل متكاملاً. حتى العقوبات الاقتصاديّة المفروضة على موسكو، غير رادعة، على رغم كونها مؤلمة.

الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يعيش سنته الرئاسيّة الأخيرة، يبدو متعلّقاً بفكرة تجنّب الانزلاق الى مواجهات مع الدول المناوئة له، باستثناء ما يتعلّق بالتنظيمات الارهابيّة. والأمر نفسه ينطبق على سياسيّي أوروبّا الغربيّة. لكنْ هناك بوادر لآراء مخالفة لدى ما يجوز تسميته بال”أستابليشمنت العسكري”.

فمجموعة من أبرز الجنرالات في الجيش الأميركي حذّرت الاسبوع الماضي، في منتدى ريغان السنوي للدفاع القومي، من تحويل التعاون الاميركي-الروسي داخل سوريا أنظار المجتمع الدولي عمّا تفعله #موسكو في شرق أوكرانيا. ومن أجل ذلك اقترحت تلك المجموعة إرسال تعزيزات عسكريّة لحماية أوروبا وتوجيه رسالة للكرملين.

ومن ضمن الخطوات المقترحة، السماح بوجود ألوية عسكريّة أميركيّة متعدّدة في أوروبّا بهدف رفع الاعداد الموجودة حاليّاً هناك. صحيفة “الوول ستريت جورنال” ذكرت تحوّلاً في الاستراتيجيّة يسعى إليه الجيش ومسؤولو الدفاع في #البنتاغون باتجاه دعم الوجود العسكري الاميركي في أوروبا.

ونقلت عن الجنرال فيليب بريدلاف القائد الاعلى لقوّات حلف شمال الاطلسي أنّ القرارات المتعلّقة بهذه المقترحات سيتمّ اتخاذها خلال الاشهر القليلة المقبلة، مشيراً في نفس الوقت الى أنّ تلك القوّات ستخدم في أوروبّا بشكل دوري. أمّا رئيس أركان الجيش الاميركي الجنرال مارك ميلي شدّد على أنّ جيشه يتعلّم مواجهة الحرب “الهجينة” التي تمزج بين القوات التقليديّة وغير التقليديّة، وتعتمد على الدعاية السياسيّة والتكتيكات غير الكلاسيكيّة. وأضاف للصحيفة نفسها أنّ الاعتداء اذا ترك بدون رادع فسيؤدّي الى مزيد من الاعتداءات.

المسؤولون في الجيش الأميركي يؤيّدون التلويح بما هو ضروري لردع الروس عن “التمادي” في أوروبا الشرقيّة. لكنّ جميع تلك التوجّهات تذهب أدراج الرياح إذا لم يوافق أوباما على مقترحات البنتاغون، ولن يغيّر شيئاً تأييدُ وزير الدفاع الاميركي #آشتون_كارتر للمقترح في صيغته النهائيّة، علماً أنّه هو نفسه يرى المقاربة “المتوازنة” مع روسيا أمراً لا مفرّ منه.

وكانت وكالة “أسوشيتيد برس” الأميركيّة ذكرت في آب الماضي أنّ واشنطن ستنقل أسلحة ثقيلة الى بولونيا في العام 2016. وقالت واشنطن في حزيران أنّها ستنقل دبّابات ومركبات قتاليّة للمشاة وأسلحة ثقيلة أخرى الى دول البلطيق ودول أوروبّا الشرقيّة. وفيما توقّع وزير الدفاع البولوني أن تصل الاسلحة في أواسط السنة المقبلة، ردّت #موسكو بإعلان نيّتها في توسيع ترسانتها النوويّة واتّهمت حلف شمال الاطلسي “بالمجيء الى حدودها”.

وتفيد “الوول ستريت جورنال” بأنّ الخطّة تقضي بإرسال ألوية إضافيّة، ووحدات من المروحيّات الهجوميّة، بالاضافة الى فرق هندسيّة وألوية مدفعيّة. وزارة الدفاع الاميركيّة و”مركز بيانات إدارة الدفاع” يشيران الى وجود 40000 جنديّ أميركيّ في ألمانيا في 179 قاعدة عسكريّة، وعشرات الآلاف من الجنود مع مئات القواعد الاخرى في سائر أنحاء أوروبّا.

اقرأ ايضًا: التدخل الروسي في سوريا فشل… وكشف إيران

المقترح لا يزال في طور الدراسة والنقاش، وهناك متّسع من الوقت يفصله عن الوصول الى تبنّيه في صيغة رسميّة صادرة عن وزارة الدفاع الاميركيّة، ثمّ موافقة الرئيس الاميركيّ عليه … هذا إذا وافق في الأساس.

ومن جهة ثانية، قد لا يعبّر المقترح نفسه عن عرضٍ للقوّة. بل يحتمل الموضوع وجهاً آخر أيضاً. صحيفة “إنترناشيونال بيزنس تايمس” قالت أنّ البنتاغون لا يخطّط لعودة الجنود الأميركيّين الى القارّة العجوز، وسيقوم “عوضاً عن ذلك” بالاعتماد على قوّات دوريّة. فالوجود العسكري الاميركي في أوروبّا هو الاصغر حاليّاً منذ بدء الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ويستشهد موقع “كوارتز” الأميركي بكتاب لبروفسور الانثروبولوجيا في الجامعة الاميركيّة ديفيد فاين يذكر فيه وجود 686 قاعدة أميركيّة حول العالم بالاضافة الى “قواعد لا يعلم بها البنتاغون نفسه”. ويشير الى أنّ كلمة “قاعدة” واسعة وضبابيّة قد تضمّ مخيّماً أو محطّة أو راداراً أو غيرها. ويرى فاين أنّ قواعد #واشنطن العسكريّة الخارجيّة تؤذي أميركا والعالم لأنّها تزيد التوتّر وتجعل #الولايات_المتحدة غير آمنة على المدى البعيد ومستعدّة للتعامل مع بعض الديكتاتوريّات لحماية منشآتها العسكريّة. ويضيف الكاتب أنّ تلك القواعد تتناقض مع القيم الاميركيّة وتدمّر البيئة بالاضافة الى كلفتها الباهظة والتي تقارب 100 مليار دولار سنويّاً.

ربّما يكون فاين محقّاً في مقاربته لبعض جوانب الموضوع في كتابه:”أمّة القاعدة: كيف أنّ القواعد الاميركيّة العسكريّة تؤذي الولايات المتحدة والعالم”. لكنّ ضمان القوّة لأيّ دولة كبرى يقتضي التطرّق إليه من زاوية مختلفة.

الوزير السابق لشؤون الجيش الأميركي جون ماكهوغ، وخلال تكريمه قبل استقالته مؤخّراً، حذّر من عدم تحضير الجيش لمواجهة الواقع كما هو، الأمر الذي لا يعود بالمنفعة إليه. فسحْب الجيوش من قواعدها العسكريّة الخارجيّة، سيّء بسبب “المستقبل الاسود والخطير” حيث ينبغي على القوّات العسكريّة الاستعداد لمواجهة حالات طارئة بدلاً من أن تتمّ تنشئتها على “نظرة بريئة فادحة للمحيط الجيوسياسي … وعلى تصوّر خيالي لحقيقة غير موجودة”.

قد تكون نظريّة فاين المنتقدة لانتشار القواعد العسكريّة الأميركيّة حول العالم مبنيّة على “نظرة بريئة فادحة للمحيط الجيوسياسي”. إذ لا يمكن للولايات المتّحدة أن تتخلّى عن قواعدها العسكريّة بتلك البساطة في فترة التوتّر التي يعيشها العالم. وتلك القواعد تمّ بناء جزء كبير منها بموافقة الدول المضيفة التي يطالب بعضها بقوّة عسكريّة أميركيّة أكبر”.

لكن على رغم ذلك، لا ترتبط توجّهات الجنرالات الاميركيّين الذين اجتمعوا في منتدى ريغان السنوي برؤية ماكهوغ أو بنظريّة فاين. إنّما يتوقّف مصير المقترح على باراك أوباما. وهنا ستنتظر أوروبّا ومعها روسيا مقرّرات الرئيس الأميركي على أحرّ من الجمر. فهل سيتّخذ قراراً في هذا الشأن أم يجيّر الملفّ الساخن الى خلفه؟

(النهار)

آخر تحديث: 11 نوفمبر، 2015 10:30 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>