ابوعلي و«جبّ الخرّوب»…

نسمّيها ” جبّ الخرّوب ” على الرغم من أنها شجرة خروب قديمة العهد. نموّها البطيء جعلها أصغر بكثير من بنات جيلها على ضفتيّ نهرنا الغربية والشرقية.
عدم نموها بشكل طبيعي يعود الى كونها قد نبتت تماماً على رأس شيرً صخري يبلغ ارتفاعه عشرات الأمتار.
الوصول الى الخروبة كان بمنتهى السهولة من الجهة الغربية، ولكنّ انحناءها الى جهة الهاوية من الجهة الشرقية جعل الصعود اليها أو مجرّد الاقتراب منها مخاطرة قد تنتهي بالسقوط الى الأسفل والموت المحتَّم.
كان جبّ الخرّوب يشكّل استراحة إجبارية للعصافير المتنقلّة من الضفة الشرقية الى الغربية أو العكس، لذلك كان هدف الصيادين الأوّل. الصيد بواسطة البندقية العادية كان من المستحيلات، فإطلاق النار من ” الهاوية ” لا يؤدي الى أيّة نتيجة بسبب بُعد المسافة، وصيد تلك العصافير من الجهة الغربية، ورغم سهولته، كان يكلّف الصياد النزول الى ” كعب الشير ” من أجل الحصول على الطريدة بعد سقوطها، وكان هذا يشبه المستحيل.

كان المرحوم أبو علي محمد علي عباس مشورب يترك عمله كلّ عام في أسواق بيروت في موسم الصيد. شغفه بالصيد ما زال الى اليوم ” مضرَب مَثَل ” في قريتنا. كان يُحضر معه ” جرزة دبق ” مخبأة في ” محصليّة ” من الكرتون المقوَّى. هو من يحدِّد الأدوار ويوزّعها على جميع هواة الصيد. جرزة الدِّبق خاصّته كانت تتفوّق على كلّ بنادق الصيادين… كان صاحب معرفة مُذهلة في حركة العصافير وطريقة تنقّلها والمناخ الأنسب للصّلي والمكان الأفضل لتركيز قضبان الدبق على الشجرة… كان وبنظرة واحدة يرسم خريطة نشر قضبان الدبق على الشجرة وتشريكها بالشكل الأنسب، كي لا تفلت حتّى مجرّد ” ريشة واحدة “.

كان نشر قضبان الدبق على جبّ الخروب، وخصوصاً قبل بزوغ الفجر وعلى ضوء الفانوس، ليس مجرّد مخاطرة، بل جنون بحد ذاته. ولكن وفرة العصافير عليه جعلت ذلك التحدّي مقبولاً من قبل عشاق الصيد، وخصوصاً أبو علي. فهو كان يترك عمله في ” العتالة ” لأكثر من شهر من أجل ذلك. من هنا كان عليه التحايل على جبّ الخروب وخطورته لنشر القضبان على أغصانه بالشكل المناسب، وبالتالي الحصول على الكمّ الكبير من تلك الطيور.
أحضر من ” المقصبية ” القريبة قصبة طويلة حزّ طرفها بسكين ليركز قضيب الدبق عليه، قبل أن يقوم بتعليقه فوق الأغصان المناسبة على أطراف الخروبة من جهة الهاوية، وهو يقف وراء الجذع في مكان آمن… وبعد كل عملية ” نشّ ” وإمتلاء القضبان بالعصافير الملتصقة بها، كان يحضر تلك القصبة لإحضار القضبان والقبض على تلك الطيور، ومن ثم وضع تلك القضبان في أمكنتها من جديد استعداداً لـ ” النشّة ” التالية، بعد تنظيف الريش العالق عليها بواسطة أسنانه.
كانت ” جرزة الدبق ” الخاصة بأبي علي مميزة بنظافتها. كان يحرص عليها. وبما أنّ للدبق ثلاثة أنواع: العسلي والدبسي والبندوق، فإن جرزته كانت عسلية، أي الأغلى. فالعسلي كان ممزوجاً بالعسل، والدبسي بالدّبس، أمّا ما يسمى بالبندوق فكان يمزج بالعسل والدبس معاً… أبو علي كان خبيراً بالدبق، ولا يسمح لتاجر برج البراجنة أن يغشّه… كان يعرف ماهيتها، ليس فقط من لونها، إنما من طعمها… كان يتذوق القليل منها ليتعرّف على درجة جودتها.

مات أبو علي… قتله التدخين المتواصل. كان منزله عبارة عن غرفة، هي جزء من منزل جدّي، ابن عمّه. منزل واحد تقاسمه أجدادهم القدامى… كنتُ أذهب الى دار جدي القريب، وهو – أبو علي – يضع فوق موقد صلصالي قضبان رقيقة من الرمان مملوؤة بعصافير سمينة… كانت رائحة شوائها تملأ القرية كلّها… سعاله المتواصل والكيس الورقي المخصص لما كان يخرج من رئتيه لم يغيّروا شيئاً من ذلك المنظر القروي في ذلك الدار الترابي الذي لا يُنسى.
جبّ الخروب ما زال في مكانه. استرق النظر اليه اليوم من قرب منزلي… أعتقد بأنّه قد أتخذ قراراً حاسماً لا عودة عنه: سأبقى على حجمي… سوف لن أسمح لبراعمي الجديدة بالتمدّد أكثر قبل عودة من كنت أرافقهم في تلك الصباحات الهادئة..

 

آخر تحديث: 27 مايو، 2017 11:11 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>