تخفيف العداء لأميركا أصعب من «النووي»!

سركيس نعوم

في أثناء المفاوضات النووية بين المجموعة الدولية 5+1 والجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت مصادر المعلومات كلها تشيع أن إقفال الملف النووي الإيراني سيفتح الباب أمام مفاوضات أخرى مع أميركا تتناول القضايا الخلافية في الشرق الأوسط وخصوصاً بعد استشراء العنف فيه. وكانت تشيع أيضاً أن البحث سيتناول أدوار الدول الكبرى في المنطقة وأحجامها السياسية. وأثار ذلك ارتياح ابناء المنطقة وخصوصاً بعدما صاروا محاربين بالوكالة عن الدول المذكورة وصاروا وقوداً لها وحطباً.
لكن الموقف الرسمي الذي أعلنه أخيراً المرشد والولي الفقيه السيد علي خامنئي أطاح الارتياح بتأكيده أن لا تفاوض مع أميركا حول المنطقة. إذ أوحى أن بلاده متمسكة بمشروعها الإقليمي الرامي إلى “السيطرة” على قلبها (إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين) الذي لم توضع له نهاية بعد.
طبعاً تعرف مصادر المعلومات نفسها أن أميركا لا تشعر بالارتياح إلى الموقف الإيراني، ولا تستطيع لوم إيران رسمياً على ما تعتبره تراجعاً عن “برنامج عمل تفاوضي” أُتفق عليه مع طهران. وما يزعجها هو التطور الذي بدأت روسيا تحدثه في سوريا لمصلحة نظام الأسد. وليس سراً الإشارة إلى المباحثات غير الرسمية التي تناولت الوضع الإقليمي بين واشنطن وطهران في أماكن عدة منها عُمان الخليجية، والتي كان هدفها التمهيد للتفاوض الرسمي حول المنطقة بعد إنجاز الاتفاق النووي. ويبدو أنها فشلت لأن حسابات أخرى مختلفة ومتناقضة تتجاذب أميركا وإيران.
كيف ستُعالج إيران والمرشد خامنئي العلاقة مع أميركا بعد النووي؟
سأحاول مساعدة القرّاء لإيجاد جواب عبر بعض ما سمعته في طهران من مُتَّصلين بدائرة القرار. يقول هؤلاء: “إن السيد القائد يؤكد أن إيران لن تحكي منفردة مع أميركا. ولن تعمل معها منفردْين حتى لمكافحة الإرهاب وأبرز ممارسيه. ولن تبحث إيران معها في القضايا الإقليمية”. سألتُ: نتيجة هذا الموقف ستكون استمرار الحرب في سوريا والعراق واليمن وحتى ليبيا واشتعالها لا سمح الله في لبنان وربما في الخليج. فهل هذا يناسب إيران ومصالحها؟ كان جوابهم: “ليس الوضع الذي أشرت إليه هدفنا. لكن من خلق “داعش” ودعمها؟ أليست أميركا؟ من يصرف عليها ويموّلها؟ أليس حلفاء أميركا؟ إذا حصل حوار، مماثل للذي استضافته جنيف وموسكو وفشل لأن المعارضين السوريين فيه لا يمثَّلون فعلاً على الأرض ماذا يحصل؟ يسيطر “داعش” وأمثاله على الأرض، وهذا ما لا نريده. طبعاً قد نحكي مع أميركا في موضوعات اقتصادية وقد نستقبل شركاتها، لكننا لن نتفاوض معها على انفراد. ربما نقبل حواراً يضم مجموعة من الدول إحداها أميركا. في أي حال أميركا أرادت ومنذ البداية إسقاط الأسد”. هل يعني ذلك أنكم توافقون على صيغة مشابهة لمجموعة الـ5+1؟ سألتُ، وأضفت. لم يكن لأميركا سياسة أو استراتيجيا تتعلق بسوريا. وهذا أمر مستمر. موقفها السياسي ضرورة رحيل الأسد. موقفها العملي كان: إبقاء مؤسسات دولة سوريا وتنحِّي الأسد ومعاونيه “الدمويين”، وذلك كي لا يتكرّر في سوريا ما حصل في العراق. وربما يكون الموقف هذا مستمراً لكن تنفيذه صار من المستحيلات. علَّقوا: “هذا صحيح. أميركا خرجت من العراق مذلولة وإن بقانون. لكنها عادت الآن بصيغة مختلفة مستفيدة من الذي حصل معها في السابق”؟

الاتفاق النووي الايراني
طبعاً وباختصار هذا الكلام – الموقف على أهميته قد لا يكون نهائياً في رأيي. فتنفيذ الاتفاق النووي يحتاج إلى ستة أشهر بعد المصادقة عليه. وبعض بنوده يحتاج إلى سنة. وهناك استحقاق الانتخابات الرئاسية الأميركية بعد نحو سنة والمدة التي يحتاجها الرئيس الجديد لتعيين إدارته وترتيب ملفاته وتحديد أولوياته. قبل ذلك لن “يعطي” المرشد خامنئي وبسخاء. فضلاً عن أنه يعرف أن شعبه عُبِّئ على مدى 33 سنة ضد أميركا. وليس سهلاً إقناعه باعتبارها صديقة أو شريكة أو دولة عادية في مدة قصيرة. فذلك يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى استمرار التفاوض على الحامي الذي اعتمده هو مع أميركا. وهذه الأخيرة تمتلك الوقت والإمكانات، والدم الذي يراق غير أميركي. كما أنها تستطيع التفاوض على الحامي بالاستفادة من أعداء إيران وأعدائها هي في الوقت نفسه.
كيف يرى زائر طهران الوضع في العراق والعلاقة بين الجمهورية الإسلامية ومصر والمملكة العربية السعودية؟

(النهار)

السابق
روسيا: فائض النقص هاجماً علينا
التالي
اقتراح لقاء دولي – إقليمي يستثني إيران بحثاً عن حل