لبنانية من الجنوب تفوز بجائزة القصة القصيرة عالميًا

فازت الطالبة اللبنانية دايان أحمد درويش بالمرتبة الاولى عالميًا عن مسابقة القصة القصيرة التي نظمتها البعثة العلمانية الفرنسية لمتسابقين من مدارسها في كل العالم. موضوع المسابقة جملة للشاعر الفرنسي شارل بودلير “مرّة هي المعرفة التي نجنيها من السفر”. كتبت دايان درويش، ذات السبعة عشر عامًا، قصة قصيرة مشوقة تتنقل فيها بين العواصم العربية لتقف على معاناة الناس جرّاء الازمات والحروب.

بلغةٍ عربية جميلة، ومخيلة خصبة وغنية، وبراءة ذكية نسجت إبنة “جرجوع” الجنوبية خيوط قصتها تحت عنوان “ع”، حيث تكون هي نفسها البطلة، فتاة عربية تبحث عن هوية عربية وعن الإنسان والإنسانية في هذا العالم العربي.

دايان، تلميذة إحدى المدارس الفرنسية التي تهتم أساسًا باللغة الفرنسية، ثابرت بجهدٍ إضافي في سبيل ثقل لغتها العربية الأم ورفع مستواها الشخصي في هذا الإتجاه، وهو ما دفعها للمشاركة في هذه المسابقة التي كانت تفتح للمرة الأولى الباب أمام المشاركات الأدبية باللغة العربية، على أن تتم ترجمة القصة الى اللغة الفرنسية تكريمًا لها.
أبعادٌ كثيرة قومية، وطنية، سياسية، اجتماعية، ثقافية وبالطبع إنسانية اشتملت عليها القصة القصيرة التي خطّتها دايان، والتي ننشرها في “بيروت برس” مع تمنياتنا بأن تتم رعاية دايان من قبل المعنيين لأننا أمام موهبة أدبية لافتة ومميزة.

نعيد نشر القصة:
“سيّدتي! ماذا تفعلين يا سيّدتي؟ أجننت؟ تتسلّقين هذه النخلة! كم عمرك؟ هل يعقل أن تكوني مستهترة بحياتك هكذا؟ إنزلي يا سيّدتي أرجوك… إنزلي” سمعته. حقّا سمعته و لكنني لم أنزل. لم أكن قد إنتهيت بعد. “شكرا عمّو…” أقول وأنا أتسلّق بعد. يجب أن أصل إلى القمّة. “ولكنني بخير، لا تخف عليّ.”
ها أنا وصلت. أنظر حولي. أخضر الأشجار الكبيرة ممزوج مع لون الصحراء البنيّ. صوت عمّو في الأسفل يوقظني. ألم يفقد الأمل بعد؟ “أنا بخير عمّو.”
“وأخيرا نزلت. ماذا كنت تفعلين يا صغيرة؟” يقول لي فأبتسم. “كنت أبحث!” ينظر إليّ وكأنّني جننت. ربّما هو على حقّ.
“عن ماذا تبحثين على قمّة نخلة في وادي ترجيت!؟” أضحك. “هناك الكثير. فقدنا الكثير في هذا الوادي يا عمّو. ولكننا لم نفقد الأمل بعد. أشجار ترجيت ما زالت تخبّئ هذا الشيء الذي فقدناه، فما زالت تبقينا على قيد الحياة… أنا أبحث!” ينظر عمّو إليّ ويهزّ برأسه، أراه يبتعد أكثر فأكثر… حتما سنلتقي مجدّدًا.

ها أنا في فاس –جامعة القرويين. جميلة هي رائحة العلم والتاريخ. يقترب منّي شيخ جزائري، حاخام مغربيّ وراهب تونسيّ. يجلس كلانا حول نافورة المياه.
“الحياة عبارة عن خيارات. يختار المرء إمّا خيرا أو شرّا. هذه رسالة التوراة.”
“يسرد الكتاب المقدّس كيف استعاد الخالق الانسانية المفقودة على الأرض من خلال يسوع.” أبتسم. جميلة هي كلمة الإنسانية.
“السلام عليكم.” أنظر إلى الشيخ متحيّرة. يضحك. “إن رسالة القرآن الكريم هي السلام بين البشر.”
السلام؟ الإنسانية؟ الخير؟ عن ماذا يتحدّثون؟
“لا تضلّلي نفسك. فالأديان هنا لخدمة الإنسان. لا تنسي ذلك أبدا.”
يقولون لي وفجأة أشعر بإنسانيّتي. أنسى أحيانا كم الإنسان عملاق في فكره.

“مشوّقة هي البراكين. نحن لا نعلم متى تثور. كالناس. أحبّ أن أشبّه الناس بالطبيعة… صغيرة أنت! ماذا تفعلين هنا؟”
أنظر إليها: هي جميلة، فاتنة. عيناها خضراوان وبشرتها سمراء، ملطّخة بالوحل. هناك عمامة زهريّة اللون على رأسها. “أنا أبحث!” أقول لها. تسألني عن ماذا. “أبحث عن ما أضعناه ولكنني أعرف أنني سأجده.”
ننظر إلى الشمس. حان موعد الغروب. “ستجدينه يوما ما… نحن في بحث مستمرّ لا يتوقّف. كالشمس. فهي تعود كلّ يوم آملة أن تجد القمر منتظرا.”
يبدأ بركان القرطالة بالهيجان. “وهل تجد القمر؟” أسأل الفتاة القمريّة. “نعم. ولكنها لا تعلم. مهيب هو الحبّ، أليس كذلك؟” ويفور البركان.

أنا على قمّة الهرم الأكبر من أهرام جيزه. أنظر إلى الأسفل، هناك رجل وامرأة اريتريان وآخرون من جيبوتي وليبيا. المرأة الليبية تبكي وهي ترى أباها يمزّق كتابها. “أرجوك توقّف، أرجوك يا أبي!” تتمزّق قطعة من قلبي عند سماع صراخها. “أنت لست بحاجة إلى هذا الغباء!” تنظر إليه فتسكت. “العلم للرجال.” تزيد كلماته عمق جرحها.
يلفتني صوت الرجل الارتري: “اتّفقنا إذا،” يقول للرجل الجيبوتي. “ستتزوّج إبنتي من إبنك.” ألقي
نظرة على إبنته. هي مخدّرة، تنظر أمامها، إلى الفراغ.
الفتاة الجيبوتية تمشي خطوتين ثمّ تقع. تنهض. ثمّ تمشي خطوتين وتقع. يا ترى ما بها؟
فجأة أسمع صوت امرأة واقفة بجانبي. تصرخ وتصيح. “إنتو ناطرين إيه؟ ناطرين إيه؟!” ننظر كلّنا إليها. يسعدني حضورها. “ثوري يا بنت! ثوري على الواقع تبعك ده! ثوري وما تقبليش! تسكتيش! تنحرميش! ثوري يا بنت، ثوري!” تصرخ والدموع تسيل على وجهها.
هذه أمّ الدنيا. أعرفها. هذه هي مصر. مصر أمّ الدنيا.

أمامي جدار من الشبك. على كلّ صعيد من هذا الجدار رجل سوداني. هما صامتان، حزينان. “ألن تقولا أيّ شيء؟” كلاهما ينظر إليّ. يسألني واحد منهما ماذا أفعل هنا. “أنا أبحث!” أقول لهما. يسألاني عن ماذا. “أبحث عن ما أضعناه. ألا يوجد ما تريدان قوله؟” أنتظر. “ستتعلّمين مع العمر أنه دائما ما يكون للمرء الكثير الذي يريد قوله. ولكن غالبا ما لا تتسنّى له الفرصة للتعبير عن نفسه.” أعبس. “أرفض هذا الواقع.” أقول له. “لماذا كلاكما من جهة؟” أسألهما.
“هذه بلادنا: منقسمة مقسّمة.” يقول أحدهما. “ما الفرق بينكما؟” أسأل. ينظران إلى بعضهما فلا يجدان أيّ فرق. وهو حقّا لا يوجد أيّ فرق بينهما. “فلماذا كلاكما من جهة؟” أسأل مجدّدا. يردّان بأن الوطن قد إنقسم ولا مجال للوحدة فيه في هذه الأيّام.
أليم هو الواقع. أرفضه. يجب عليّ أن أبحث بعد.

أشعر بالجوع. أبحث في جيبي فأجد قطعة خبز. أشعر بإرضاء الذات. أنا أرتدي ثوبًا طويلاً. هناك شيء يشدّه من الأسفل. أنظر فأجد فتىً صغيرًا ضعيفًا ينظر إليّ بتلك العينين الكبيرتين. نظرة مؤلمة. أنا أحتضر. هو جائع يريد الخبز؛ أعطيه القطعة الموجودة بين يديّ، يأخذها ويركض. أنظر وأراه يتقاسمها مع على الأقلّ عشرة أولاد من عمره.
“الجوع كافر.” تقول لي إمرأة و هي تأتي من هناك. أوافقها الرأي. كنت سآكل القطعة كلّها بمفردي. “كم مرّ من الوقت منذ آخر مرّة أكلوا فيها؟” أسأل آملة ألّا يؤلمني الجواب. “أسبوع على الأقلّ…” كلّ حرف من كلماتها يعذّبني.
الحياة صراع عنيف. ولكن ما ذنب الأولاد؟ هم أبرياء، طاهرون… الحياة قذرة ومؤلمة. أصلّي كي لا يشعروا بالألم… فهم صغار. “هذه هي الصومال.”
كلّا. الجوع والعذاب ليسا ميزة الصومال. ولا وفيّات الأطفال. أرفض هذا الواقع.

أمشي بعض الكيلوميترات وأصل إلى صنعاء. النار حولي تلتهب. لا يوجد الكثير من الناس ولكنّني أبحث. أبحث حتى وصولي إلى صهاريج عدن. هي أيضا تحترق ولكن النار لا توقفني. “ماذا تفعلين يا صغيرة؟” أسمع رجل يصيح فأستدير نحوه. “أنا أبحث!” أصيح بدوري.
“عماذا تبحثين والنار تقضي على الأخضر واليابس؟! إذهبي فالوضع ليس آمنا هنا!” أسأله إلى أين أذهب. “إذهبي من هنا، أتركي هذه الأراضي فاليمن لم تعد بلد آمنة وسعيدة. أهربي قبل فوات الأوان.”
“إن هربنا كلّنا فمن سيدافع عن الوطن؟” أسأله مصدومة. “أيّ وطن تذكرينه أنت؟! لا وطن بعد الآن! أهربي قبل أن تختفي أنت أيضا! هيّا!”

أجد نفسي في سيّارة فخمة. أقترب من السائق فينظر إليّ عابسًا. “لا تقتربي أكثر من ذلك.” أنظر إليه بإندهاش. ما خطبه؟ تتوقّف السيّارة فأنزل. أمامي سجّادة حمراء طويلة. أمشي عليها حتى الوصول إلى مدخل قصر يذكّرني بالأميرات والقصص البنّاتيّة. تفتح الأبواب وأدخل فأجد الفتيان يركضون في كلّ مكان وسفرة لا نهاية لها. هناك بركة يسبح فيها بعضهم ولكنّها ليست بركة مياه. لون المياه فيها أزرق كالنفط. أيعقل أن يسبح هؤلاء الصغار بالنفط؟ لا بدّ أنّني أحلم.

يدورون ويلفّون حول الحجر الأسود فيشعرون بالسعادة الداخلية وقمّة الإيمان. هذه هي حريّة المعتقد، أن نعتقد كما نشاء. أن نؤمن بمن أو ما نشاء. أن ندور ونلفّ كما نشاء لأننا أحرار بفكرنا وليس لأحد على هذه الأرض أن يحكم علينا أو يقمعنا. نحن أحرار ما دمنا نحترم الآخرين ومعتقداتهم. أنا أدور معهم حول الحجر الأسود. هذه هي الكعبة. هذه هي مكّة المكرّمة. أدور لساعات وساعات ولا أفقد الأمل.

“من أنت؟” أسمع من يخاطبني وهو صارم. “وماذا تريد أنت؟” أسأل وبكلّ ثقة بالنفس. يقترب منّي فأبتعد. وجوده يشعرني بالخطر. “من أين تأتين؟” يسأل مجدّدا. “وما لك أنت؟” أسأل أيضا. يرفع سلاحه ويقترب منّي. لا أبتعد؛ بل أقترب. “أتهدّدني بالسلاح؟” أسأله. يبتعد. “أتهدّدني بالموت؟ أهذا ما لديك؟” يختفي.

يدورون ويلفّون حول الحجر الأسود فيشعرون بالسعادة الداخلية وقمّة الإيمان… فمنهم من أحسن وألطف المؤمنين. هؤلاء الذين يعطون للدّين مذاقا آخر يجذب حتّى من لا يؤمن بدينهم.
ومنهم من الجاهلين الجهالة. هؤلاء الذين يهدّدون بالسلاح وبالموت وهؤلاء الذين يدّعون القوّة
والإيمان. إنّ الدين تعاطي.
ما زلت أبحث. لعلّني أجد ما أضعناه بين هذا الحشد.

“لم أجده.” أتمتم لنفسي. “لقد بحثت في كلّ مكان ولم أجده.”
يقترب منّي رجل طويل القامة. لا يمكنني رؤية وجهه بوضوح. يبتسم لي.
“إنّ الصبر يضمن النصر.” أفكّر. “أحيانا يكون الصمت في الردّ الأكثر بلاغة.”
يحدّثني وأشعر بالطمأنينة. نتحدّث عن الحياة والأحبّاء والموت. تمرّ الأيّام ولا أشعر بها قط. “أودّ أن أسأل الكثير بعد ولكن يجب عليّ أن أبحث… نسيت لماذا أبحث أصلا… فالمعنى يختفي مع كلّ دقيقة والإرادة ترافقه…”
حان وقت الفجر. ينظر كلانا إلى مطلع الشمس فأتذكّر الفتاة القمريّة.
“أتعلم أنّ الشمس تعود كلّ يوم آملة أن تجد القمر منتظرا؟” ينظر إليّ الرجل الحكيم ويقول لي: “إنّ الشمس لم تعد تنتظر القمر لأنّها تعرف أن القمر هنا لخدمتها وحبّها.”
أسأله لماذا لا تبقى معه إذا. “كيف لسكّان الأرض أن يتدفّؤوا إن لم تعد الشمس؟ هي عليمة بأنّه من دونها لا مجال للإنسان بالمثابرة وبالحياة. فتضحّي بحبّها وبحياتها لإسعاد البشر.”
أفكّر بما يقوله لي. “وهل ستلتقي بحبيبها مجدّدا؟” يحرّك رأسه مؤكّدا.
“عليك المثابرة ببحثك. لا تنسي أنّك تفعلين ذلك لهم. نمي في قلبك شعور الحبّ لشعبك واجعلي الحبّ هو مصدر العطف والنعم لهم.”
“مضى البعض من شعبي يقتل… والبعض الآخر يبكي.” أقول له.
“إذّا ذكّريهم. ذكّريهم بأنّه ليس هناك شيئا أكثر ضررا من هذا الذي يجلب الخراب للواحد منا. من الدم الذي يسفك عمدا فيقصّر حياة الدولة. إنّ هذا الدمّ سيضعف الأمّة فيمرّرها إلى أياد أخرى. تذكّري وذكّريهم.”
أنظر إليه بعجب. كم هو حكيم…
“ألن تبوح لي بإسمك؟” هذا سؤالي الأخير.
“أنا أعدل حاكم رآه التاريخ. إذهبي فالوقت يداهمك. مع السلامة!”
إلى اللقاء يا نهر الفرات…

أنا في مكتبة إبلا. يقترب منّي رجلان. واحد أسمر ذو شعر البنّي، يرتدي نظّارات مستديرة. عيناه خضراوان كأشجار الزيتون. الآخر أبيضاني، ذو شعر فاتح. مظهرهما يحكي قصص التاريخ والأدب والشعر والرقيّ. نشرب الشاي معًا ونكتب الشعر كالأصدقاء القدامى.
“السرّ في مأساتنا أنّ صراخنا أضخم من أصواتنا وسيفنا أطول من قامتنا. لقد لبسنا قشرة الحضارة والرّوح جاهليّة. كلّفنا إرتجالنا خمسين ألف خيمة جديدة.” يقول أحدهما.
“نحن أسرى ما نحبُّ وما نريدُ وما نكونُ. لكنَّ فينا هُدْهُداً يُملي على زيتونةِ المنفى بريدهْ… عادتْ إلينا من رسائلنا رسائلنا ، لنكتب من جديد…” يقول الآخر.
“نحن أسرى أفكارنا… نحن اليوم ونحن الغد. نحن عمالقة البارحة. نحن الأمل حين نفقد الأمل.
ولكنّنا نعجز عن الكلام. فالتعبير بات أمرًا بعيدًا عنّا وعن عاداتنا. أصبحنا كالحجر صامدين ولكن يلقي الهواء بنا أينما شاء.” أقول لهما.
“إغسلوا أفكاركم. جرّبوا أن تقرؤوا كتابا. الناس يحسبونكم نوعا من الذئاب.” يقول أحدهما. “المكان يضيق في الرؤيا وينكسر الزمانُ. ماذا ترى… ماذا ترى في صورة الظل البعيدةِ؟” يسأل الثاني.
“ما زلت أبحث.” أقول لهما.
“نريدُ جيلاً غاضباً. نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاقْ وينكشُ التاريخَ من جذوره وينكشُ الفكرَ من الأعماقْ. نريد جيلا قادما مختلف الملامح لا يغفر الأخطاء لا يسامح. لا ينحني لا يعرف النفاق. نريد جيلا رائدا عملاقا.” يقول أحدهما.
“نريد جيلا إنسانيا.” أقاطعه. “لكن أنستحقّ حقّا؟ أنستحقّ فرصة جديدة؟”
“نستحق، لأنها سيدتنا، نستحق الحياة.” يقول أحدهما.
نرى قريبا منّا عائلات مشرّدة دون مأوى. نرى أطفالا تبكي. نرى أمّهات وآباء عجزوا. هذه هي مصيبتنا. هذه هي مصيبة هذا الشعب.
أترك الأديبين في عالمهما المليء بالضروب والأبيات. يا ليتنا كلّنا مواطنون في وطن الأدب… فلا إنسانية إلّا هناك.

جبال الجنوب الشامخة تحيط بي. رائحة الصنوبر والأرز تنعشني. ها أنا أتنفّس من جديد. أنظر حولي والضباب أينما درت. جميل هو شعور الفخر والعزّة و الأمان في زمان الحرب. أنظر بعيدا فأرى شابّا في أوّل طلعته يقترب منّي. يبتسم وتنوّمني ضحكته. من أنت؟ أسأل نفسي ولكن لسبب ما أجهله يسمعني فيردّ. “أنت تبحثين… أليس كذلك؟” يسألني. أهزّ برأسي. “عمّا تبحثين يا صغيرة… فأنت البداية والنهاية ومن دونك لا قصّة ولا مغزى ولا شعر ولا حياة… أتبحثين عن نفسك؟ أهذا هو ما تبحثين عنه؟” يقترب منّي وأشعر بالأمان. هذه هي السعادة… المؤقّتة. “ما زلت أبحث عن ما أضعناه وفقدناه. ما زال الأمل هنا.” يبتسم مجدّدا تلك الإبتسامة السحريّة. “هذه الجبال قاومت مثلك وبحثت… لعلّ سبب وجودها اليوم أنّها قاومت.” يسرد عليّ قصص الأرز والتراب الأحمر. أنا مندهشة –به وبالقصص. “لقد إقتربت منه.” يقول لي. وفجأة يمضي. يموت. أرى شابا بالزيتيّ يهرب بعيدا. أهذا هو دربنا؟ الصمود والموت. الإحتمال والموت. مصير الوطن والشعب واحد.

على قمّة الأقصى أنا. ما زلت أبحث. وأشعر بأنّني قد وجدت ما أضعناه. هذا هو حتما الشعور بالنصر. هنا الطهارة والقداسة. هنا الروايات والبدايات كلّها. أنظر حولي: صحراء. لا يوجد إلّا صدى المدفعيّات والصواريخ. لم أجد شيئا… كنت مخطئة.

أتذكّر الحاخام والشيخ والراهب. أتذكّر عمّو والفتاة القمريّة وأمّ الدنيا والرجلين السودانيين. أتذكّر الأولاد. أتذكّر الشعراء. أتذكّر الرجل الحكيم العادل. أتذكّر الرجل الذي مضى. أتذكّر الذي هدّدني.

رأيت الكثير وعشت الكثير وما زلت آملة أن أجد ما فقدناه نحن. ما زلت جريئة وحلمي لم يمض بعد. فشعبنا إستۡهلك وإستهلك. ضاع وأضاع. خضع وأخضع. ولكن ما زال صامدا. وما زالت الآمال نفسها والحلم نفسه؛ حتّى بعد مرارة الواقع. مرّة هي المعرفة التي نجنيها من السفر. ففي يوم من الأيّام نحلم والبسمة على وجوهنا، وفي آخر نصطدم بالواقع المرّ واليأس الشديد. نصطدم بواقع شعوبنا ووطننا وبهؤلاء الذين تخلّوا عن الوطن والهويّة مقابل هؤلاء الذين يصمدون رغم الألم والوجع.

حلمت بزمان أدلّ فيه أولادي على ذلك المكان البعيد، ذلك المكان المقدّس. ها أنا أذكر البعد مجدّدا: البعد الذي فصلني عن حلم ما زلت أؤمن به. أعجز عن الكلام. أغمض عينيّ. أتلذّذ بصوت الهواء. هذا هو هواء الوطن المفقود الحاضر أمامي. هواء الأمل والولاء. نحن في طبيعتنا متناقضين مع أنفسنا… فماذا إذا حلّ علينا الصمت والبلاء؟ ماذا إذا بدأت النهاية وما زالت أرواحنا متعلّقة بأعماق القصّة؟
فبماذا أبدأ وماذا أقول؟ وهل للكلمات حقّا قوّة نقل الفكرة كما نريد ترجمتها؟ بكلّ معانيها المختبئة فينا؟ هل يخرج الحلم من فمنا كما نحلمه حقّا؟ أوليست الروح هي مقرّ الحلم الذي لا مكان له غيرها؟ جميل هو الحلم والأجمل بعد أن أكون إمرأة عربيّة تجرؤ على الحلم.
رغم الوجع ورغم المرارة والحقيقة المحزنة الكئيبة… نحن نناضل.
رغم بشاعة الواقع وأزماته… نناضل. أصبحت الحقيقة المؤلمة سرّ البدايات والنهايات.
رغم قساوتها ما زالت حقيقتنا أجمل حقيقة كتبت للزمن. هذه الحقيقة التي لن تترسّخ في كتب التاريخ وقط. هذه هي الحقيقة الشاملة العالميّة الدنياويّة.
أمّا أنا؟ فماذا عنّي؟ ماذا عساي أن قول؟ رغم كلّ ذلك ما زلت أبحث. أبحث عن الكثير. أبحث عن شرارة الأمل وعن سرّ الوحدة… ما زلت أبحث ولم يزل الإيمان حاضرًا.
أمّا أنا الممزّقة، أمّا أنا تلك الفتاة الممزّقة، بحجم الوطن الممزّق، أبحث عن وطن يحتضنني بعد أن خنقناه بانقسامنا وتشرذمنا وجهلنا وسوادنا. وسأبقى أبحث وأبحث إلى أن يصبح الحلم حقيقة.

(بيروت برس)

آخر تحديث: 11 يناير، 2018 11:54 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>