«نهر الغدير» طفح كيله

مياهه باتت كالحليب بيضاء وموحلة، وأكياس النايلون تنزل عليه كالطائرة التي تحط في المطار من الطوابق العليا والسفلى. والمعامل مقيمة على جوانبه بمجاريرها. انه نهر الغدير.. في الضاحية الجنوبية لبيروت.

يمشيّ نهر الغدير متعرجاً من الشويفات باتجاه الجنوب ليصبّ في الأبيض المتوسط ، سائراً من أعلى أراضي الشويفات على امتداد أكثر من 5 كيلومترات جنوباً ببطء شديد ذلك بسبب ثقل أحماله، التي لو حمَلت للجبال لوَهنت. فالمعامل والمنازل والمحال التجارية ترميّ مخلفاتها فيه غير عابئة بتاريخه حيث كان له الفضل- كما تقول أم علي همدر التي تقطن منذ أكثر من أربعين سنة ها هنا- بسقيّ الناس، والسباحة في مياهه في حيّ بات يُعرف بـ”حيّ السلّم”.

إقرأ أيضاً للكاتب نفسه: عن خبر استشهاد موسى الصدر: من يصدّق أنّه لا زال حيّاً؟

فلا بلدية لحيّ السلّم كون هذا الحيّ معلقا وسط بلديات ثلاث هي المريجة، والحدث الليلكي، والشويفات. لذا يبدو هذا الحيّ كاللقيط “الذي لا أب له يُعرفِ”.

ويسير نهر الغدير من أعلى الشويفات وصولاً الى حيّ البركات جنوبا، مروراً بعدد من الأحياء كحيّ كنعان، وحيّ الصحراء، وغيرها..

ولم تكن الكثافة السكانيّة كما هو عليه الحال اليوم، حيث تقول أم علي همدر انه لم يكن الحيّ سوى عبارة عن بضعة منازل مبنيّة هنا وهناك.

نهر الغديرلكن بُعيد الحرب الأهليّة، إمتلأ الحيّ، واكتظ بالمهجرين من كل من النبعة وبرج حمود، والجنوب، ما جعل النفايات تزداد في الحيّ بعد ان أهملت البلديات عملها.

هذا النهر يطوف كل عام شتاءا بسبب إرتفاع منسوب المياه فيه وفيضانه حيث يُعيد الأوساخ التي رماها أهل الحيّ الى منازلهم، ربما إنتقاما منهم.

وصيفا، تنتشر الحشرات والروائح الكريهة التي تمنع أيّ شخص من الصمود -ولو لدقيقتين- أمام مجراه إلا من تعوّد من أهالي الحيّ. وبذلك يمكن تفسير انتشار أمراض الحساسيّة بين أطفاله.

واليوم، ومع إنتشار النفايات في مختلف أنحاء بيروت والضواحي سرت إشاعة تقول إن إتحاد بلديات الضاحية الذي يرفع النفايات يوميّا عن كاهل أهلها أنه يرميها على ضفاف نهر الغدير.

قصدنا المنطقة، وجلنا على عدد من الزواريب والاحياء هناك التي تطل على النهر، فوجدت ان النفايات تنتشر على ضفافه، التي اختفت نتيجة التعديّات المتنوعة.

ومياهه، باتت كالحليب بيضاء كثيفة، وأكياس النايلون تنزل عليه كالطائرة التي تحط في المطار من الطوابق العليا والسفلى. والمعامل مقيمة على جوانبه بمجاريرها التي تكشف عن ساقها دون خوف من أحد.

لكننا لم نلحظ أية شاحنات لبلديات الضاحية، وعند سؤال بعض الأهالي في حيّ الرضوان المطل على النهر، وفي شارع دار العلوم، وفي حيّ مجمع الإمام الرضا، هل تسمعون أصوات كميونات او شاحنات النفايات ليلاً؟، قال (ع. ح)، وهو الذي يقطن خلف النهر مباشرة: “انه لا مجال لرميّ النفايات هنا لأن النهر محاط بالمنازل من كل الجهات، فكيف ستدخل شاحنات البلديات وهي كبيرة الحجم!؟.

وفي دردشة مع مجموعة من الشباب اتخذوا الطريق العام مطرحاً لهم، أكدوا أن النهر لم يعد يحتمل القاء مخلفات، فأين سيجدون مكانا فيه لرميّ النفايات؟!

أما سائق أحد الفانات العامل على خط حيّ الصحراء، فقد أكد ضاحكا مستهزءاً ورفيقه: “مستحيل لأن لا مدخل الى النهر، فالبيوت تسدّ المكان”.

وكان أحد العاملين في مهنة “الخراطة” قد أكد ان “بلدية الشويفات توّسع مجرى النهر عند الخط الذي يربط حيّ السلم بالشويفات دون معرفة الأسباب”..

إقرأ أيضاً للكاتب نفسه: هل يتجرّع السيد حسن السمّ الذي تجرعه الإمام الخمينيّ؟

وفي اتصال مع رئيس بلدية برج البراجنة الحاج زهير جلول لإستيضاح الأمر، نفى جلول الأمر جملة وتفصيلا، قائلا ان “نفايات الضاحية تُرمى في مكب خاص بين الأوزاعي وخلدة، او ما يُعرف بمنطقة الكوستا برافا”.

آخر تحديث: 26 مايو، 2017 1:39 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>