في ذكرى غياب استاذنا السيّد هاني فحص

أستاذنا العلامة السيد هاني فحص رضوان الله عليه كان عالما موهوبا امتاز بأعلى درجات الإجتهاد المطلق في فهم أسرار العقيدة ومقاصد الشريعة وحاز على تنويه من علماء ومفكرين وأدباء ومثقفين وشعراء على مستوى العالم في انه قامة علمية شامخة بالمعرفة الدينية والإنسانية معا.

أبعد نفسه عن السياسة التي حاولت ان تأسره في شخصية حزبية رغم الإغراءات العظيمة التي قُدِّمَت له والتي ينبطح لها وأمامها الكثيرون من صنفه وسلكه، عالم دين إلا أنه لم تكن تفوته قراءة الجريدة اليومية والمجلة الأسبوعية ونشرات الاخبار ومتابعة البرامج السياسية، وكان يتمتع بقدرة هائلة على تمييز الغث من السمين فيها ومعرفة الخيط الابيض من الخيط الأسود في الأفق السياسي بسماء الوطن والمنطقة، لأنه كان يجيد بذكاء حاد قراءة ما وراء المحكي والمكتوب، وتعليقاته المختصرة والمكثفة بعمق المعاني والظريفة دائما كانت تنبئ إلى إلمامه بالدافع والغاية لكل موقف وقضية يستحق الثناء والإطراء و أوصاف التعظيم وألقاب التقديس المتداولة وبكل جدارة، إلا ان السيد هاني كان يكرهها بل ويظن سوءاً بقائلها والراضي بها على حد سواء ، وقد اسرَّ إليَّ يوما بقوله أنها مرض فتاك تُضَاف إلى أمراضنا الفتاكة المنتشرة بيننا .

كان يحسبه الثوري الهائج بأنه خارج الزمان في عقله ( السياسي ) ويتهمه بمحدودية الرؤية بتفكيك أحداث عصره وضيق الأفق بتحليل مجريات محيطه السياسي، وكان هذا الثوري الهائج يستند إلى الآية والرواية في التهكم على سماحته وكأنه على صلة مباشرة بجبرائيل يوحي إليه علم ما كان وما يكون وما سيكون لإيهامنا بأن ثوريته الهائجة ترتكز على قوة خارقة في إدراك أسرار السياسة، وكان أستاذنا سماحة السيد يعلق على ما يسمع منهم من طعن وقدح وذم بقوله : هذه طبيعة المغرور السكران بخمرة القوة وسكرة المغرور اخطر من سكرة الخمور ، وكان دائما يذكرنا بحديث الإمام علي (ع ) لذي يقول فيه { وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق ان يُعَان } نهج البلاغة …. وفوق كل ذي علم عليم … والتكبر هو راس الجهل ….

وشاءت الأقدار أن اكون لسماحة السيد هاني فحص تلميذا بالمعنى المعرفي للكلمة وليس الأكاديمي تلميذا وصديقا فسألته مسائل في شهور أغنتني إجاباته عن دروس سنين في الحوزة، و كثيرا ما كان يقول لي إن طبيعة الشرقيين على المستوى الثقافي الفلسفي والفكري ما زالت طبيعة غارقة في الماضي وظلماته و لا يريدون الخروج منه لأنوار الحاضر، فما زالت طبيعة الشرقيين محكومة لعقلية ورثت من السلف روح القمع بحق كل شيء جديد، واحتكار الفهم السليم لكل قضايا الفكر والعلم والمعرفة، فإياك ثم إياك ان تنخدع بمقولة أن باب الإجتهاد مفتوح على مصراعيه، كي لا تقع تحت غضبهم وسخطهم كما وقعنا وبالتالي سوف يسببون لك الغصص التي تسلب منك حلاوة الحياة وامنها واستقرارها، ويتجاوزون معك كل حدود الأخلاق فوق ما يتصوره خيالك.

وطمعا بالحصول على ما تيسر من ثروته الفكرية كنت اطرق بابه بين الفينة والاخرى، وأذكر مرة انني سألته عن الحقيقة أهي مطلقة ام نسبية وكيف الوصول إليها لكي نخرج من القلق الذي اورثنا الوجع بكل ألوانه القاسية ?! فأجابني بقوله إن معرفة الحقيقة لا يمكن إلا أن تكون معرفة نسبية، فما تعرفه انت بوصفه قضية من قضايا الحقيقة بالنسبة إليك فهو لن يكون له صلة بقضايا الحقيقة بالنسبة لغيرك، وعلى هذا الأساس فإن الإنسان الذي يتصور نفسه بأنها محمولة بمعرفة الحقيقة الكاملة والمطلقة، هذا الإنسان هو الأكثر خطورة على الحق والحقيقة وأكثر خطورة على الحياة الطبيعية، وهو المتطرف عينه والمتحجر ذاته وهو غبي بامتياز وليس بالضرورة ان يكون الإنسان عميلا لكي يخدم عدونا كما يقال، بل يكفي أن يكون غبيا وما اكثر الأغبياء فينا وحولنا وبيننا.

آخر تحديث: 18 سبتمبر، 2015 7:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>