فنانة تشكيلية تحول النفايات الى لوحة

لم تدرك الفنانة التشكيلية ثريا حلال يوماً أنَ فنها سيكون محطَ انظار العالم كله، حين أتت بقصاصات النايلون وجعلتها تتشكل في لوحاتها لتصبح طفلا وأماً وكرة أرضية، وكل أتباع البيئة. حسبت ما تنفذه واقعياً، بيد أن أزمة لبنان مع النفايات جعلت من أعمالها بوابة لتسليط الضوء على إمكانية تدوير النفايات في الفن، واستغلال عبوات المياه الصغيرة في مجسمات تبتكر الحل من فكرة قائمة على المشكلة وهنا مربط الفرس.

نجحت حلال إبنة بلدة حبوش الجنوبية في أن ترسم بالنفايات أفكاراً بعمق الازمة، وترمم بعضا من مشكلة أرهقت المواطن، في محترفها الصغير حيث تعمل، تشكل لوحاتها، تقطع القناني وتقصقص النايلون وحبال النايلون، تسعى لخلق نموذج فني فريد من نوعه، تعيش زمن الفكرة التي تحمل قضية، لذا الغلبة لها، ترمي بكلماتها على فستان العرس الذي اسمته “بيروت برأسها المثقوب”، يحمل أبعاد القضية، الإبتكار والإبداع بل كما تقول “حاولت أن يكون الفستان وقفة تأمل لما يدور حولنا، بإمكاننا تدوير كل ما يحيط بنا لخدمة مصالحنا، مصلحتي في الفن وأخرى قد تكون لها غاية أخرى.
تحاول ثريا التي تعمل منذ سنتين، تقديم فن فريد من نوعه سواء في فكرته او في المواد التي تستعملها، لأنه كما تقول “اسعى للانقلاب على مزاجية اللوحة، الفن ليس مشهدا عابرا، بل فكرة ومضمون ورسالة، جميعها تتحد في ابداع الفن”، لم يكن بعيدا عن عالمها ابتكار الافكار، منذ صغرها وحلال تعشق خلق لعبتها من الورق، الحبال، الخشب، وكانت تخيط عبر ملابسها هندسة مشوار اسمه “طريق الحياة”، تقر ثريا التي درست الرسم، والهندسة الداخلية، وشاركت في العديد من المعارض داخل وخارج لبنان “اننا وسط ثورة ربيع الفن، الكل يتسابق نحو خلق افكار من قلب المجتمع، يعيد تركيب بنيتها، خلفيتها لصناعة فن جميل، يتماشى مع حقيقة الانسان المرهق بأزمات تلاحقه”.
احد لا يوقف هدير افكارها التي حازت من خلالها اعجاب العرب في مهرجان دبي للفن التجريبي، “اذ قدمت امرأة بثوب جرائد تقف على كرة ارضية وحولها كومة نفايات، مجموعة افكار جمعتها لأقدم لوحة احتلت المرتبة الاولى في المعرض”، تصفها حلال بأنها “الوطن الذي يجب أن نعمل لاجله لا ضده” ان كل عمل يحتاج الى جهد وتفكير، فالانسان لا يجب ان يبدأ من الصفر”. سيدة الخمسين عاما التي تخرجت قبل اربع سنوات بتفوق باختصاص هندسة الديكور الداخلي، تستغل وقتها في نشر مفهوم فني ثقافي بيئي يجب ان يعمم، “لان الثورة على واقعنا مهما كانت، تحتاج الى ثقافة ووعي وتحضير وعنصر قوي، لذا انشر هذا المفهوم بين طلاب المدارس حول كيفية تحويل ما نرميه الى لوحة تعبر عنا”.
لكل لوحة من لوحاتها قصة وحكاية وسيناريو تحكي أو تشير الى شيء ما، تعتبر حلال أن أهمها “مجسم الوطن الذي يتمزق بتناحره، وفستان الجرايد أوقفته على الكرة الأرضية، وبعض الصحف المتجعدة، فيما عقدت خاصرة المجسم بالعلم اللبناني لأنني اريد ان تتحد كل الصحف لأجل لبنان لا ضده، حرام الشعب المسكين يضرس من خلافات الكبار ويعيث بحياته الفساد”. وجه امرأة حزين، البيئة اللبنانية، الكرة الأرضية، البحار ومعها سمكة تحاول أن تأكل من الأوساخ المرمية، طفل في رحم أمه، العلم اللبناني، هذه بعض من لوحات حلال التي حاولت عبرها، أن تربت على كتف جيل شاب ليستيقظ من كبوته، ويبحث عن الحل لأي أزمة عبر أمور تحيط بنا، تكمن الصعوبة التي واجهتها عبر “إخراج الفكرة، كيف نجير معاناتنا لخدمة الفن، لم يكن سهلاً أن ننفذ أعمالا غريبة عن واقعنا الطبيعي، لكننا في زمن الفكرة، قوة التغيير، في زمن القوة للفكرة وليس للمهارة، والاهم تحويل الفكرة الى قضية عبر أعمال تجريدية تخدم الهدف الذي نسلط الضوء عليه”.
قلبت ثريا حلال موازين اللعبة الفنية، أدخلت النفايات في عمق لوحاتها، حرّكت أفكارها بما يخدم أزمة خنقت لبنان من شماله الى جنوبه وحوّلت بحره الى مكب عشوائي، من يراقبها وهي تُدَور العبوات البلاستيكية وأكياس النايلون الملونة، يُدرك أن لا شيء مستحيل. بل تقول “جعلت المستحيل ممكناً، فقط حركت أفكاري لخدمة فني فنجحت”.
فحسبما تشير “دخلنا زمن الفوضى الخلاقة، كل حياتنا ملوثة، البحر، الطبيعة والطرقات، اقلقني المشهد، متى ننتفض على قمامتنا التي تستبيح يومياتنا؟”. تتحدث وعيناها على صنارتها وخيوط النايلون التي تجدلها لتستريح في لوحة الطفل، فيما تتحضر لإنجاز فساتين من اكياس النايلون “كل شيء يمكن ان نستفيد منه، هناك تطوير للأفكار التي تجاري عصرا مأزوما، فتنقلب عليه”.
لم يسبقها احد في اعمالها، تُعتبر الوحيدة التي تمزج نمطين من الافكار في داخل “إبتكاراتها الفريدة” بل حازت أعمالها الـ23 ومعها مجسما العروس “بيروت” والصحف “الوطن” إعجاب الكثيرين، لا تترد بالقول “عشقت الابتكار واستيلاد الأفكار الجديدة… الفن فكرة، وليس مهارة، تُغير واقعاً أو تفرض آخر، فكل شيء لا يخطر في البال، يخلق مساحات جدلية في واقع مأزوم يحتاج الى فكرة تفككه”، مردفة “دخلنا عصر السباق على الفكرة، ابتكار الافكار الحديثة التي تحمل هدفاً وقضية” تجسد افكارها من خلال اكياس ملونة اعطتها الشكل الذي تريده، بعض حاكته عبر صنارتها وآخر تركته بشكل يتناسب وطبيعة اللوحة التي ترسمها.

(البلد)

آخر تحديث: 1 سبتمبر، 2015 12:27 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>