السيد محمد حسن الأمين: يمكن للإسلام استنباط «حداثته» ﻷنه دين وليس دولة

يقول احد المفكرين إن الاسلام لا يمكن أن يتماشى مع "الحداثة" لسببين: الأول إيمان المسلم بأن عقيدته نطقت بالحقيقة المطلقة الأولى والأخيرة، والثاني اعتقاده بأن شريعة الإسلام تقدم الاجوبة والحلول لكل الأسئلة الشائكة والمشكلات المعاصرة، فهل يصحّ هذا القول، وما هو رأي سماحة العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين في ذلك؟

يجيب السيّد الأمين محدّدا أوجه الخلاف والإلتقاء بين الاسلام والحداثه فيقول: “في البداية، لا بد من تحديد المفاهيم المطروحة في مجال الكلام عن الإسلام والحداثة، لكي يمكن بدقّة أن نبيّن موقع التضاد والخلاف بين هذين المفهومين.فالإسلام كما نعلم هو دين هداية ولا علاقة له مباشرة في اختبار المجتمعات لأنظمتها، ولا لسلوك البشر في اختيار أشكالهم وصورهم إلا حين يقوم التناقض على الاتجاهات التي يمثلها أو تمثلها نزعة الهداية الدينية والأخلاقية للإسلام أو حين تتناقض الحداثة مع أنماط السلوك الإنساني الذي يشكل أهدافاً للإسلام في الارتفاع عن أنماط السلوك الضارّة في الاجتماع الإنساني.

إقرأ أيضاُ: السيّد محمد حسن الأمين: الحريّة لا تتعارض والمقدسات الدينيّة

وإذا كانت الحداثة تعني المناداة بحقوق الإنسان وبالديموقراطية والأخذ بنوع من العلمانية، أي علمانية الدولة، فنحن لا نرى أن دائرة الإسلام ودائرة المجتمع الإسلامي تضيق عن مثل هذه الحداثة، بل ندعي أن الإسلام في جوهرة هو دعوة مبكرة لمثل هذه الحداثة التي ترتكز على مبدأ حرية الكائن الإنساني وكرامته التي ظهر تمييزها عن كل مخلوقات الله كما يقول تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”. ونلاحظ هنا أن التكريم للإنسان بغض النظر عن الدين والجنس واللون. وإذا كانت الحداثة في جوهرها هي دعوة لتحرير الكائن الإنساني من كل أشكال المصادرات التي تعرّض لها ويتعرض لها الإنسان في تاريخ اجتماعه، فإنه من الحري أن ندرس ظاهرة التلاقي الجوهري العميق بين جوهر الحداثة بوصفها دعوة لتحرير الكائن الإنساني وتوفير الأنظمة التي تضمن هذا التحرير، وبين الإسلام الذي يهدف إلى المقاصد نفسها”.

 

وعن الإشكالية التي تنهض في وجه المسعى للتوفيق بين الإسلام والحداثة يقول السيّد الأمين: “في رأيي تكمن في عناصر جانبية وليست أساسية في الدعوة إلى الحداثة. فإذا كان البعض يصرّ على نوع معيّن من الحداثة والتي تتسم بما تحويه من علمانيّة متطرّفة ملحدة، فمن الطبيعي أن يتناقض هذا مع الإسلام ولكن الأهم أنه يتناقض مع مبدأ العلمانية التي لا تتضمن التنكّر لحرية الإنسان في التديُّن، ولكنها تركز على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، وهي ما أسميها بالعلمانية المؤمنة. وانا اعتبر أنه يمكن للفكر الإسلامي أن يتبنى هذا النوع من العلمانية التي تؤسّس لحداثة متصالحة مع الدين دون الوقوع في التناقض. وينطلق ذلك في رؤيتي التي تبلورت لدي من خلال دراستي الطويلة والمعمّقة للإسلام فكراً وثقافة والتي انتهيت فيها إلى أنه ليس من الصحيح القول إن الإسلام دين ودولة معاً، فالإسلام في نظرنا هو دين، ودين فحسب، وهذا لا يقلّل من شأن الإسلام، بل يصون الإسلام من الملابسات التي يتسم بها بناء الدّول وهي سمات التغيّر والتبدّل، فالدولة اختيار بشري يختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر والدين ثابت، بل هو في جوهره مقدّس ولا يمكن ربط مصيره بمصير الدولة ومسارها”.

 

ويوضح السيّد الأمين أن الاسلام يمكن أن يكون مصدراً لكثير من قيم الدولة وقوانينها، ولكن لا يمكن أن تكون الدولة ممثّلة بصورة مقدسة لهذا الدّين.

إقرأ أيضاُ: السيّد محمد حسن الأمين: مبدأ العداوة في الإسلام غير موجود

ويصل السيّد الأمين إلى خلاصة مفادها “أن الحداثة تتناول الاجتماع البشري في حركة تطوّره وارتقائه، ولا أجد أن هناك ما يفرض معاداة الدين لهذه الحداثة أو العكس،أي معاداة الحداثة للدين. ومن وجهة نظري فإن الإسلام يتضمن إمكانات لا حصر لها في الإرشاد إلى التحديث بكل صورة القانونية والإنسانية والتكنولوجية والإنمائية، وحرية الفرد في المجتمع الإنساني وحرية المجتمع في مواجهة الدولة، وبالتالي فالإسلام في محتواه الأخلاقي هو دعوة إلى هذا العقد الاجتماعي الذي تألّفت على أساسه دول حديثة وباتت قوانينها ودساتيرها تعبيراً عن هذا الاحترام لهذا العقد الاجتماعي. وهذا لا يمنعني من القول إننا كمسلمين لسنا مضطرين لاستنساخ حداثة الغرب بشكلها الراهن، بل يمكن أن نستنبط هذه الحداثة من قراءة جديدة للإسلام مع الاستفادة من تجارب الأمم التي خاضت معارك تحوّل الاجتماع السياسي، وازدهرت فيها العلوم والمعارف واضطردت في النمو بجميع المجالات، فالحكمة كما في الإسلام هي ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها”.

آخر تحديث: 17 أغسطس، 2015 6:25 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>