تراجع مدنية الدولة

هناك مجال واسع في الفكر الديني للقول بأن إنتاج الدولة للدين يؤدي إلى خراب الدين والدولة وأن إنتاج الدين للدولة يؤدي إلى خراب الدين والدولة والحياة.
من هنا نحن بحاجة إلى شيء أو كثير من تحرير الدين من الدولة والسياسة، وتحرير السياسة والدولة من الدين، أي إلى دولة مدنية تحترم الدين ويحترمها. له اختصاصه ولها اختصاصها، وهذا لا يمنع الدين بل يوجب عليه أن يكون رقيباً أخلاقياً على الدولة، والدولة المدنية هي الضمان لتوازن النشاط الديني بين الدين والسياسة.
حداثة الدولة اللبنانية أو مدنيتها تراجعت بدل أن تتقدم، فأصبحت شكلية لأنها تعيش وتقوى بالصراع الديني أو تظن أنها تقوى وهي تضعف وتتلاشى بدل أن يكون موقعها هو الجمع بين الدولة والمجتمع. وعندما ننجز دولتنا الوطنية اللبنانية يصبح النشاط الديني أقل التباساً واختزالاً للشأن الاجتماعي والوطني والسياسي.

هاني فحص
أما عن رجال الدين وتعاطيهم السياسي، فإن هناك مجتمعاً مكوناً من أفراد هم رجال الدين الذين يأكلون ويشربون ويخافون ولهم أهل وأولاد وجيران يصلّون في المسجد والكنيسة، ولكن لا يجوز لرجل الدين أن يحقق موقعه إلا من خلال الاشتغال على المشترك بين المواطنين، لأنه إن لم يفعل ذلك تحول إلى رجل دنيا صرف، لا إلى رجل دين أي رجل دنيا بالمعنى السلبي الذي لا يتوخى العدالة.
في ما يخص تعدد الأديان في لبنان، وما إذا كانت هي سبب الحرب اللبنانية، أقول: “هذا التعدد الديني والمذهبي في لبنان يجب أن يكون داعياً وسبباً للسلام له، وإذا لم يكن كذلك فإن هناك حرباً أشد فتكاً تنتظر أي طرف يتخيل أنه واحد وموحد في المطلق.
ومن هنا حصلت حروب بين أديان مختلفة، ولكن الحروب التي حصلت داخل الدين الواحد كانت أفظع. وإن الحروب الدينية لا يمكنها أن تستند إلى الدين، لأن ذلك يلغي الدين أصلاً والذي هو مشروع سلام ذاتي للفرد والجماعة وبين الجماعات.
أما الحرب فيا لدين فهي حرام لزوماً، وإلا فلايعود الدين ديناً، ولذلك تقع كل الحروب والمجازر التي وقعت بإسم الدين خارج الدين. إنها مُدّنَّسة ومُدَنَّسة لا مقدسة، ولا يمكن أن يكون هناك مقدس إلا باحترام حياة الإنسان وحريته وعقابه على مخالفته بالقانون القائم على فلسفة الحق والحقيقة.

(من كتاب “على مسؤوليتي” منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 13 أغسطس، 2015 6:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>