في ذكرى حرب تموز: شيء كبير إنكسر

في الذكرى التاسعة لحرب تموز، ليس صعباً على اللبنانيين مراجعة أحداثها. فالأجيال التي عاشتها لم تشِخ بعد، وما زالت وقائعها في أذهان اللبنانيين جميعاً وليس الجنوبيين فحسب. فقد كانت حرباً شاملة توحّد فيها اللبنانيون مدة 33 يوماً، قبل أن يتفسّخ نسيجهم ليبلغ الذروة في زمن الخوف من الفتنة السنيّة – الشيعية التي يخشاها كثر. فلماذا؟

لم يكن مستحيلاً أن يلتقي سياسيون وديبلوماسيون وقادة أمنيون عند إجراء قراءة جديدة للحرب الإسرائيلية السادسة على لبنان في 12 تموز 2006، بعدما حلت الذكرى التاسعة لأيامها الأولى قبل يومين على قراءتهم الإيجابية بالإجماع على أنها كانت حرباً نموذجية ما زالت تخضع لقراءات كثيرة مثل التي أجريت في معاهد عسكرية أميركية وأوروبية عدة، على وقع النتائج التي أفضت إليها لجنة التحقيق الإسرائيلية الخاصة التي شكلت برئاسة الجنرال الإسرائيلي فينوغراد – وحملت اسمه – للتحقيق في ما سمّي إخفاقات حرب تموز، والتي قالت كلمتها في الكثير ممّا سمّته تقصيراً داخلياً على كل المستويات.

يستذكر اللبنانيون من هذه الحرب حصيلتها الدموية والتدميرية معاً، عندما ردّت إسرائيل في غضون ساعات على أسر «حزب الله» جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين، بعدوان عسكري واسع على كل أنحاء لبنان، استمر 33 يوماً من دون هوادة، ونفذت تهديدها بإعادة لبنان عشرين عاماً إلى الوراء، فكانت النتيجة سقوط أكثر من 1100 شهيد، ثلثهم من الأطفال، وإصابة ما يفوق 4000 بجروح، ونزوح مليون لبناني، وتدمير المستشفيات والمدارس والمصانع والجسور، وتضرّر المطارات ومحطات إنتاج الطاقة وخزانات المحروقات، في كارثة لم يشهد لها البلد مثيلاً في تاريخه الحديث.

لم يعبأ اللبنانيون كثيراً بالنتائج المباشرة التي خلفتها الغارات الإسرائيلية يومها، على وقع المواجهات البرية التي كانت ما زالت بعمق كيلومترات قليلة، لا بل أمتار من الحدود الجنوبية، من دون أن تتمكن من التوغل كثيراً في الأرض، عدا عن العمليات النوعية التي شهدتها القرى الجنوبية والكمائن التي نصبت للجنود والدبابات وفعلت فعلها التدميري في أسلحتها المدرعة ودبابتها الساحرة «الميركافا».

فقد كانت المواقف السياسية والحزبية تظلل شعور اللبنانيين بالقوة لاعتمادها لغة وطنية شبه موحدة رفعت شعارات الوحدة والتضامن. ولم تكتمل مظاهرها إلا عند استقبال النازحين اللبنانيين الذين تجاوزوا المليون في الداخل اللبناني، مع ما رافق ذلك من ورش عمل لنجدتهم والترفيه عن الأطفال وتوفير الطبابة لهم، ناهيك عن مسارعة اللبنانيين إلى فتح بيوتهم لهم في كل لبنان.

وعليه، فقد أثمرت إعادة القراءة إنعاشاً للذاكرة ومقارنة لا بد منها بين تلك الحقبة وما يشهده لبنان اليوم، من دون التنكر إلى ما تلا تلك الحرب من مظاهر انقسام وتحدٍّ بين اللبنانيين، عندما خرج السلاح المقاوم من دائرته الجنوبية ليرتد على الداخل، فبدأت مرحلة انحسار الوحدة بين اللبنانيين، وتناسوا أنهم خاضوا تلك الحرب معاً.

فالإجماع اللبناني الذي توّجه القادة اللبنانيون من أعلى الهرم من قصر بعبدا إلى السرايا، وأجمع أعضاء الحكومة في حينه بكل مكوّناتها على النقاط السبع التي أقرّت في مؤتمر روما في 26 تموز، سمح للبنان بخوض حربه الديبلوماسية الشاملة في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى على أساسها لوقف العمليات العسكرية، والذي ترجم في القرار 1701 الصادر في 12 آب من تلك السنة إلى اليوم، من دون الانتقال إلى وقف نهائي للنار.

لكن الهدوء ترسّخ جنوباً، وانتشر الجيش حيث لم يكن يوماً قبل سنوات لفرض سلطة الدولة اللبنانية دون غيرها، وتعززت القوات الدولية، فنعم الجنوبيون تحديداً بأمن لم يعرفوه من قبل.

أما وبعد، فقد أثبتت هذه القراءة الموضوعية لتلك الحقبة انعدام الحاجة إلى قراءة الواقع اللبناني اليوم. فالبلد من دون رئيس للجمهورية منذ 414 يوماً، ومجلس النواب مشلول الحركة، والحكومة تناضل للحفاظ على أدنى حدّ من التضامن لتلتئم، والوضع الاقتصادي ينذر بمآس كثيرة، وصولاً إلى اعتبار لبنان دولة «مارقة» أو «فاشلة»، كما وصفه المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل هايدن قبل أيام، في قراءته للوضع في المنطقة، فاعتبر عند «مواجهته للحقيقة»، كما قال: «أن العراق لم يعد موجوداً ولا سوريا موجودة، ولبنان دولة فاشلة تقريباً».

وبناء على ما تقدّم، لا تتّسع القراءة الجارية للوضع اليوم لأيّ منحى إيجابي. فالجميع يُقرّ، في ظل انقسام اللبنانيين، أنّ شيئاً كبيراً قد انكسَر بينهم، وهو أصابَ وحدتهم الوطنية في الصميم، ما يؤدي إلى طرح السؤال: هل يحتاج اللبنانيون إلى «حرب تموز 2015» جديدة لسدّ الآذان للخارج والعودة من سوريا إلى الوطن!؟

(الجمهورية)

آخر تحديث: 14 يوليو، 2015 11:14 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>