وردة لأبي في عيد ميلاده

لا أدري كيف استطاعت بادية فحص أن تكتب هذا النصّ الجميل بمناسبة عيد ميلاد والدها الأديب الراحل السيّد هاني الذي غاب عن دنيانا وانتقل الى جوار ربّه قبل عشرة شهور، ربما حضوره الذي ما زال طاغيا ساعدها على استذكار تلك المقاطع العائلية الحميمة،فما تعرضه بادية في نصها هذا هو أشبه بمشاهد اقتطعت وحذفت من أحد الأفلام بسبب عفويتها وخصوصيتها التي تتجاوز الحدود...انها ابنة أبيها الذي عوّدنا أن لا أسرار تخفى عن القلم فلا يجب ان يحدّ من دفق البيان أيّة حدود.

لم تدخل ثقافة أعياد الميلاد بيتنا إلا بعد سكننا في كيفون في جبل لبنان، كان أبي يتبرم من هكذا مناسبات، ويخاف من أن يحوله تقبل هذه الأنواع من الرفاهية إلى برجوازي صغير نقيض الفلاح الكبير الذي هو عليه.

نحن أولاده، أحدث انتقالنا إلى كيفون نقلة في ثقافتنا الحياتية التي ألفناها في النجف وحملناها معنا إلى جبشيت، وشجعتنا انتقالاتنا اللاحقة المتكررة، على التخفف من الكثير من الأثقال، لكن هو بقي على حاله.

كبرنا وتعلمنا وسافرنا وتزوجنا وملأنا البيت وصخبا ونقاشا وعادات جديدة، واستطعنا أن نجره مع أولادنا إلى التخلي عن بعض مواقفه من ترف الحياة. لم أر في عيون أطفالي الدهشة التي رأيتها في عيني أبي، يوم تحلقنا حوله في مكتبه في العاشر من تموز ذلك العام، حاملين الهدايا والشموع وقالبا من الحلوى، نغني له أغنية عيد الميلاد التقليدية.

حولته المفاجأة إلى كتلة من الخجل المشوب بالامتنان. وفيما راح يحاول التغلب على احتشاد مشاعره المتناقضة، كانت قسمات وجهه وحركات يديه وغصة فرح اعترت صوته تفضحه، وهو يشكرنا ويحذرنا في آن من تكرار هذا التصرف.

في الصباحات الربيعية الدافئة، كان منظر أزهار الدراق في البستان الممتد أمام ناظريه من حيث يجلس على شرفة منزلنا الجبلي، تستفز روعته قرائح الشعراء والرسامين، لكن أبي الذي عذبته شموس الحقول وذاق مرارة شتلة التبغ وصبر عليها صبر المعذبين في الأرض، كان يرفض التآلف مع ما ينسيه عذاباته، كانت تربكه أناقة الألوان وتحرجه الدعة التي تخلفها الروائح العطرة.

ظلت آثار أوراق التبغ الخضراء ملتصقة بأصابع أبي، رغم أنه غادر الحقول باكرا، مستعيضا عن “الميبر” بالقلم. كان لا يتذوق خبزا أو شعرا دون أن يصاحبه طعمها المر. لم يتقبل أبي البقاء في النجف، رغم شظف العيش فيها، وأهله في الضيعة وكل ضيع الجنوب، يعانون الأمرين من ظلم إدارة حصر التبغ والتنباك. فعاد في أوائل السبعينيات لينضم إلى المزارعين المنتفضين على الاحتكار، قائدا المظاهرات، مشاركا في الاعتصامات، معتقلا إلى جانب الشاعر االراحل موسى شعيب وكثيرين في مبنى “الريجي”.

غاب عنا أكثر من أربعين يوما، وعاد ظهر يوم شتوي مشمس، صامتا، ذابلا، شديد الهزال، لكنه مشع مثل قمر في منتصف منازله. لم يستكن أبي بعد ألم هذه التجربة، عمقت أيام الاعتقال إحساسه بالغضب، فاستعان بقادة الثورة الفلسطينية ليتوسطوا لدى الليبيين علهم يشترون موسم التبغ بعدما تمنعت شركة “الريجي” عن شرائه تأديبا. فانتظر في القاهرة طويلا، لتسمح له السلطات الليبية بالدخول إلى أراضيها، بلا نتيجة، والتقى فيها كمال جنبلاط، الذي كان عائدا من هناك خالي الوفاض للغرض ذاته، ولأغراض أخرى باح له بها “المعلم” سرا. فقام أبي وعدد من الأصدقاء بتهريبه ليلا إلى ميناء الإسكندرية، ومن على متن السفينة التي أقلته إلى ميناء بيروت بدا كمال جنبلاط كأنه يلوح بيده للحياة وليس لأصدقائه فقط، كما حدثنا أبي.

كنت ألعب أمام عتبة الباب يوم عاد أبي من القاهرة رفقة صديقه المصري الظريف محجوب عمر. سمعت نحنحة غريبة، فالتفت إلى مصدرها، فوجدت أمامي غريبين شديدي السمرة والنحافة، فتملكتني نوبة صراخ وبكاء، فخرجت أمي مذعورة، لتتفاجأ بزوجها المناضل عائدا بعد طويل غياب.

احتجت إلى بعض الوقت لأعاود التعرف إلى أبي، كنت قد نسيت وجهه وصوته، في ذلك الزمان، كانت وسائل التواصل معدومة، كنا نملك منها راديو ضخم ومسجلة ظلت بلا أهمية إلى أن حل محجوب في بيتنا، فحولها إلى كائن ناطق بالأعاجيب، جلب معه من القاهرة كاسيتات أغان وطقاطيق شعبية، يشرح لنا معانيها ويساعدنا على ترديدها، فتعرفنا إلى سيد درويش وصالح عبد الحي وعبد المطلب وحفظنا بعض أغاني “النوبة”. مازالت قصيدتا “أنا إسمي حمار” و “أنا إسمي جمهر” التي علمنا إياهما محجوب بكثير من الفرح والجد من أجمل القصائد التي انطبعت معانيها المؤلمة في ذاكرتي.

أبي الذي لم يتخط عالمه في سنوات طفولته في الضيعة، حدود حقول التبغ وبيادر القمح وكروم الزيتون والعنب والتين، قذفت به مكتبة خاله الشيخ الجليل محمد خليل الزين، إلى بحر المعرفة المتلاطم. هناك تعرف إلى صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وسعيد عقل وغيرهم، وصار يتفرغ بعد نهارات العمل الطويلة في الحقول لكتابة الشعر والنصوص الأدبية.

شغفه باللغة هو الذي قاده إلى النجف، ذهب إليها بتشجيع من جدته الحاجة زينب الزين، التي آمنت بفرادته وتميزه، حالما، حاملا هموم الثقافة والدين وتنويرهما. في النجف اصطدم بكثير من المغالطات، كادت أن تحطم آماله، لكنه نهض من صدمته بإعمال النقد وتغليب العقل على النقل، فكثر أعداؤه، لكنه حظي بكثير من الأوفياء الذين شغلتهم أسئلة المعرفة كما شغلته، ثم شغلنا بها. وشغفه باللغة أيضا دفعه إلى أن يبنينا على شاكلته. في مكتبتنا التي تغص بداووين الشعر وأسماء الشعراء، كان ينادي علينا الواحد تلو الآخر، ويختار لكل واحد منا قصيدة للحفظ. لم أكره أحدا في حياتي كما كرهت الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، كنت أحسبه هو وقصائده أعداء لي، فرض علي أنا ابنة السبع سنوات أن أحفظ مطولته “وادي العرائش”، لم يرحم جهلي بمعانيها ولا عنائي في حفظ كلماتها، كنت كلما تلعثمت أو نسيت بيتا، يخبرني بحسرة كم تعذب ليحصل على قصيدة واحدة مما بين أيدينا مجانا الآن، فأخجل وأعده بحفظها “كرجة مي” في المرة المقبلة.

بعدما أضناني شعر الجواهري، على عكس أخوتي، عقدت معه صفقة، طلبت منه أن يختار لي شعرا حديثا فهو أسهل علي، قبل على مضض، لكنه قبل. فحفظت بتحد قصيدة أحمد دحبور جمل المحامل، وأنشودة المطر للسياب وأحلام الفارس القديم لعبد الصبور، والسجين والمطر لمحمود درويش وغيرها.

عدا قصاص الشعر، كان يلزمنا بقصاص قراءة الرواية، يختار ما يجده ملائما ويدفعه إلينا، حريصا على أن يكون مطلعا من قبل على المضمون، لاحتواء بعض الروايات على موانع أخلاقية لا تناسب أعمارنا. لكن أبي ككل الآباء الذين يحاولون التذاكي على أولادهم في تزيين الممنوعات والمسموحات، في طريقه إلى إبعادنا عن المحظور يقودنا إليه دون أن يدري.

يوم وضع بين أيدينا أعمال الطيب صالح كلها، ساحبا من بينها “عرس الزين” مخفيا إياها خلف ظهره بطريقة مسرحية، عرفنا أن الرواية لا بد تتضمن تلك الممنوعات، فتبادلنا الغمز والابتسامات المقتضبة. لكن الغمزات والابتسامات البريئة تحولت إلى عواصف من الضحك الماكر، بعدما أعلمناه أن الأمر قد اختلط عليه، وأن “موسم الهجرة إلى الشمال” هي التي تحوي عبارات مخلة بالآداب وتصور مشاهد إباحية فاضحة، فقرر من بعد ذلك عدم التدخل في اختيارتنا الأدبية.

في اختيارتنا الشخصية لم يتدخل أبي أيضا، لم أجد مسلما كأبي طبق آية “إنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء” معنى وسلوكا. تقديسه لحرية الفرد وإن كان هذا الفرد أحد أبنائه، وإيمانه بأن الخلاص فردي لا جماعي، وأن أبناءه ليسوا له بقدر ما هم أبناء الحياة، وضعه في مواجهة مع بيئته، كثيرا ما تقصدوا إحراجه وإيذاءه بما يصدر عنا. لكنه كان سعيدا راضيا بما نحن عليه. بل كان يدفعنا ويشجعنا أن نكون مختلفين، وأندادا. مداركه الواسعة وعقله المستنير وقناعته بأن الإجبار يؤدي إلى النفور بينما يحتاج بلوغ النبل إلى دهور من الصبر والحلم، جعله يستوعب ابني الذي قرر أن يصبح شيوعيا ويحترمه، وجعله يتغاضى عن سفور بنتي وبنتي شقيقتي، وعن عدم ارتدائنا أختي وأنا، العباءة السوداء أسوة ببنات رجال الدين.

البرية حب أبي الأول، استهواه في طفولته الأولى في جبشيت نصب الأفخاخ للعصافير، فكان يقصد وأترابه “أصلة” القصب لانتزاع “المداود” لاستخدامها طعوما للصيد. كنا حين نذهب إلى الضيعة في عطل نهاية الإسبوع، يستيقظ قبلنا لينصت إلى زقزقة العصافير، لم يكن أبي رومنسيا، كان ينصت ليميز أصواتها، ويسمي لنا من يشارك في جوقة العزف، من بلابل وحساسين وزارزير، ومن لا يشارك، ويتوجس من غياب متكرر لبعضها، أن يكون قد أبادت البنادق نوعه. في النجف لم يستأنس أبي بغموض الصحراء وسحر لياليها، كانت كل الأمكنة حوله مثل قلبه تئن من ثقل الغبار والرمال. في كيفون كان الحرج القريب من بيتنا جنة أبي، كل كزدورة في أرجائه كانت بمثابة مغامرة جديدة له.

أحب أبي الإقامة في المدن، لكن القرية كانت سكنه. تعب من بيروت وتبرم من طهران. بيروت كانت في ذاكرته بيروتان، الأولى أم الفقير التي أتى إليها هاربا من تعب الحقول ومن قسوة معلمي المدرسة، ليعمل خياطا ثم مكوجيا، ثم حملته إلى دمشق ليعود منها حاملا شهادة “الموحدة”. والثانية هي المنفى الذي اختاره بعد أن نبذته طائفته وأنكرت كل نضاله، وبعد أن أدار له أهله ظهورهم. كره طهران رغم أنها من المدن التي تمل العين فيها من كثرة الخضرة، كل شيء في طهران مثل الأشجار، الناس والأبنية والشوراع، لكنها أشجار خائبة لم تحمل في أحشائها عش عصفور يوما، لا عصافير في طهران ولا زقزقة. يمام صامت طوال السنة وغربان سود في الخريف.

كانت جدتي الحاجة أم هاني، حين يحذرنا أبي من سماع الموسيقى، تأثرا بفترة “الصحوة الدينية” التي وصفها لاحقا بالكبوة، تحدثنا أن بقرتها كانت تحرن وتغرز حوافرها في الأرض إذا حاول أحد غير أبي أخذها إلى العين للسقاية. فقد كانت طوال الطريق إلى الماء تتمايل يمينا وشمالا على أنغام صوته وهو يغني لها “نعم يا حبيبي نعم”، مازالت عجائز الضيعة يروين لنا هذه السالفة حين نزور إحداهن. اعتنق أبي أفكار متحجرة في تلك الفترة، وأجبرنا على الامتثال لقناعاته، لكن بذور التمرد الرصين التي غرسها في نفوسنا، مكنتنا من أن نساعده على إعادة تليين مواقفه، فعاد سمحا، سهلا، هينا كما ألفناه. سألته يوما: أيهما أقرب إلى الله صوت فيروز أم صراخ ذلك المعمم؟ فأجابني: أطفئي التلفزيون واسمعيني “أرجعي يا ألف ليلة”.

هم أبي الأبدي فلسطين، التي صارت همنا أيضا. كانت اهتمامات أهل الضيعة منصبة على هموم المعيشة اليومية، إلى أن عاد أبي من النجف، فدعاهم إلى الثورة والمقاومة، فاستجاب بعضهم، واستشاط آخرون. حاربوه كثيرا واتهموه باستجلاب الغرباء الذين يفتعلون المشاكل إلى الضيعة. نفس الذين حاربوه على فلسطين، استخدموها فيما بعد ليستقطبوا المناصرين.

كان أبي مؤمنا بلا مزايدات، أن الانتماء لفلسطين هو شرط الإنسانية والحرية وبالعكس، لذلك كان لا يساوم على إنسانيته وحريته ليكون أهلا لها. لماذا اختار “فتح” دون الأحزاب الباقية، وظل وفيا لها، لأنها وفرت له مساحة واسعة من الحرية، ولأنها أتاحت له أن يمارس اعتداله ودوره بلا قمع ولا مصادرات.

يوم زارنا ياسر محمود عباس ليهدينا جوازات السفر الممهورة بخاتم دولة فلسطين، انحنى أبي يقبل جوازه كمن يقبل طفلا من لحم ودم، لم يهنأ أبي بهذه الهدية، رحل قبل أن يحمله الجواز إلى أرض أحلامه.

حين استأذن ياسر للوداع، صافح الجميع، أما أنا فوضعت يدي على صدري كما تقتضي أحكامنا الشريعة، فقال لي أبي: “صافحيه…مصافحة الفلسطيني بركة”.

أمس مررت على مشتل الورد ما بين العين ومنزل جدتي الحاجة زينب، اخترت شتلة ورد جوري، وحملتها إلى أعلى التلة حيث يرقد أبي منذ عشرة أشهر، ينتظرني، ينتظرنا لنلتقي مجددا، لم أغن له أغنية عيد الميلاد التقليدية، لم أضئ له شمعة، كانت الحساسين والبلابل والزرازير تزقزق حزينة. أهديته الوردة وقلبي المشتعل شوقا.

آخر تحديث: 14 يوليو، 2015 5:55 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>