على أبواب محطة استقلالية نوعية

كان الاستقلال اللبناني إنجازاً حقيقياً. وكان مُحتاجاً إلى كتلة تاريخية كتلك التي أنجزته لتواصل صيانته. غير أن الكتلة المؤسّسة لم تعقبها كتلة متابعة، يتجاوز دورها وراثة المواقع والعناوين، فلا نفرِّط بها وبلبنان وسيادته، التي هي متمّم لمعنى الاستقلال!
فورَثة الكتلة الاستقلالية المتنوعة والمتفقة على الكيان ومشروع الدولة، التي أُنجز الكثير منها فيا لعقد الأول للاستقلال، أعطوا الأولوية لمكاسبهم الفئوية التي رحّلوها إلى طوائفهم، ليزجّوا بها في صراعات عطّلت العملية السياسية، ووسّعت الثُغر التي كان الكيان يعاني منها ومن تداخل الخارج وتدخّله.
وحتى لا نظلم، فإن الكيان اللبناني، بل إن الاستقلال كان ناجزاً ومفتوحاً على التمامية في وعي الأكثرية اللبنانية، ولم يكن ناجزاً ولا مقبولاً في الوعي المزيّف لدى الأنظمة السورية المتعاقبة، فهي بقيت حتى الآن، تعتبر أن سوريا هي المركز، وأن الكيانات الأخرى من بلاد الشام القديمة، أي الأردن وفلسطين ولبنان، هي مجرد فروع أو انشقاقات لا بد أن تُعاد إلى مكانها كجزء من الكيان السوري، أي السلطة السورية. وإلى أن يحين موعد إعادتها، يمكن استغلال مواطن الضعف فيها واختراقها وإدخالها في دورة الإنتاج السياسي السوري والاقتصادي وسوق المساومة السورية مع أصدقاء السلطة السورية وأعدائها.
فظهرت سوريا وكأنها وصية على لبنان وفلسطين معاً، ومن هنا الكراهية المتأصلة لدى آل الأسد حتى لياسر عرفات. ولم يخرق هذا الثابت في السوري إلا اعتراف جمال عبد الناصر، في زمن الوحدة، بالاستقلال اللبناني معززاً موقع فؤاد شهاب، وصرف نظر المتحمسين من القوميين العرب عن إلحاق لبنان بدولة الوحدة، وإن كان الطرف السوري في دولة الوحدة، وعلى يد عبد الحميد السراج، قد تجاوز هذه القناعة الناصرية من خلال إثارته وشراكته في أحداث عام 1958.
وعلى الإيقاع السوري كانت القوى القومية، وما زالت، تعتبر الكيان مُصطنعاً وموقتاً والاستقلال غير مقبول، إلا في حدود الخروج من دائرة الانتداب الفرنسي! وقد استطاعت هذه القوى، ولا تزال، أن تستثمر انفعالات في أوساطها الطائفية لتبقي وعيها الوطني عابراً للحدود.
لم تكن القوى الكيانية المعارضة لهذا السلوك من الوعي والدقة والمسؤولية، بحيث تسهم في مواصلة اللبنانيين العروبيين والمسلمين منهم خاصة، ترسيخ قناعتهم بالكيان، في مقابل الأحزاب التي استغلت عواطفهم، على شك منهم بهذه الأحزاب.
على مسؤوليتي، أقول بأن أحلام الوحدة غير الواقعية تراجعت بشكل واضح، ولا داعي للمكابرة. وهي تراجعت في اتجاه يمكن أن يكون تضامنياً، على أساس أن هناك نصاباً من الوحدة بين المجتمعات العربية متوفر دائماً، ولا فضل للأنظمة عليه. ويكون تضامنياً على أساس الاستقلال الكامل للكيانات ودولها الوطنية، أي لم يعد مطلوباً عربياً أي قومياً، التنصل من الوطني اللبناني او غيره من أجل القومي ولا التنصل من القومي أو العربي من أجل الوطني اللبناني وغيره.
وإضافة إلى ذلك، فإن هناك حقيقة تبلورت البداية الحقيقية منها، أو هي في طريقها إلى التبلور، على رغم الصعوبات والمخاوف، وهي أن النظام السوري قد سقط فعلاً. ويبقى أن نتعاون لنسقط قِيَمَه السياسية الداخلية والخارجية في اتجاه التعامل بيننا وبين بديله في المستقبل، على أساس التكافؤ والتضامن وإقامة دولة عصرية ديمقراطية تعددية تنموية في كل من الكيانين ضماناً لاستقلالهما معاً.
وهذا يعني أننا على أبواب محطة استقلالية نوعية، يجب أن تكون في مستوى إنجازها بالوسطية والتسوية، لا القطيعة مع أي طرف عربي، ولا التماهي معه كائناً من كان. وهذا مدخل جديد لإعادة لبنان إلى إنجاز رسالته التي تنتظرها الدنيا كلها ولا غنى لنا عنها.

(من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 15 يونيو، 2015 5:43 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>