القيادة الحكيمة بين الكثرة والقلة

عن الكثرة لمن يغترُّ بها، يروي الطبريّ أنه بعد اجتماع في الكوفة إثر وفاة معاوية وقُعود يزيد مكانه، خطب سليمان بن صرد الخزاعيّ في المجتمعين، فقال: “فإن كنتم تعلمون أنكم ناصرو الحسين ومجاهدو عدوِّه، فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل، فلا تُغروا الرجل في نفسه”. فقال المُحتشدين: “بل نقاتل عدوَّه ونقتل أنفسنا من دونه”.
وأرسلوا رسالة بكلام قاسٍ عن معاوية وختموها بالقول للحسين: “إنه ليس علينا إمامٌ غيرك، فأقبِل لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ”.
تم توالت الكتب، يقول الطبريّ، حتى بلغت اثني عشر ألف كتاب، وكَتبَ مُسلم بن عقيل إلى الحسين: “إن جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجِّل الإقبال”.
وكان الجوّ في البصرة غير بعيد عما في الكوفة من جمهرة، ثم انقلب الأمر وقامت القيامة وانكشف الحال، فخطب عبيد الله بن زياد والي الكوفة من قبل يزيد في الناس بالكوفة، وقال: “وَزّعْ بعض الناس على عدد من الزعماء” فأشرف بعضهم على الناس.
وخطب كثير بن الشهاب فقال: “أيها الناس ألحقوا بأهاليكم، ولا تعجِّلوا الشر”.
وتكلّم بقية الرؤساء بمثله، فجعل الناس يتفرّقون جماعات وأفراداً، حتى كانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: “انصرف والناس يكفونك”.
وبقي مُسلم وحده حتّى دخل في دار امرأة يُقال لها طوعة، فآوته حتّى الصباح، وفي الصباح قتله الناس بوشاية من ابنها، ووصل الخبر إلى الحسين، فأخبر أصحابه بمقتل مُسلم.
وكان في أصحاب السحين قوم من الأعراب جاؤوا للرزق والعافية، فلمّا عرفوا، انصرف كثير منهم وخرج الناس جماعات جماعات لحرب الحسين.
وذكر البلادري في “أنساب الأشراف” أنّ ابن زياد سرّح إلى الحسين في كربلاء، ما مجموعه بين 25 و30 ألفاً بحيث لم يبق في الكوفة مُحتلم إلا خرج إلى المُعسكر بالنُخَيْلة.
ويُعلّق المسعودي في “مروج الذهب” على مُشاهداته ومنقولاته عن سلوكيات جماهيرية، فيقول: “ومن أخلاق العامّة أن يسوّدوا غير السيّد، ويفضّلوا غير الفاضل، ويقولوا بعلم غير العالم، وهم أتباع من سَبَقَ إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول، والفضل والنقصان، ولا معرفة للحقّ من الباطل عندهم، فلا تراهم إلا مرقلين أي مُسارعين إلى قائد دبٍّ وضارب بدفٍّ على سياسة قرد، مُتشوّقين إلى اللّهو واللّعب أو مُختلفين إلى مُشعبذ مُتنمّس مُمخرق، أو مُستمعين إلى قاصٍّ كذّاب، يُنعق بهم فيتّبعون، ويُصاح بهم فلا يرتدعون، ولا ينكرون مُنكراً ولا يعرفون معروفاً ولا يبالون بأن يلحفوا البارّ بالفاجر، والمؤمن بالكافر، وفي التنزيل لا خير في كثير من نجواهم”.
وفي “نهج البلاغة” أن عمر بن الخطاب استشار عليّ بن أبي طالب في مرافقة عمر للجيش في فتح الريّ فقال عليّ: “إن هذا الأمر لم يكن نصرهُ ولا خذلانهُ بكثرة ولا بقلة، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً، فهم كثيرون بالإيمان، عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب. وكان عليّ قد كتب إلى أخيه عقيل فيقول: “لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولا تفرّفهم عنّي وحشة، ولا تحسَبنّ ابن أبيك ولو أسلمه النّاس متضرّعاً مُتخشّعاً، ولا مُقرّاً للضّيم واهناً، ولا سلس الزّمام للقائد، ولا وطئ الظهر للراكب المتقعّد”.
وفي التنزيل “الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر”.
هذه ليست دعوة إلى هجر العامة من الناس، فهم تكليفنا الديني والشرعي والإنساني والوطني، نقترب منهم ونصغي لأوجاعهم ونرعاهم من دون اغترار بعواطفهم. ولعله من هنا ينفتح الكلام عن الديمقراطية وإلغاء الطائفية السياسية بشروط. ولعلّ من أهم الشروط ألا يبقى تصورنا للديمقراطية محصوراً في إطارها السياسي.
إن الديمقراطية الاجتماعية هي الشرط الأول لتحرير صاحب الرأي من معوّقات التعبير عن رأيه. هي المضمون الحقيقي للديمقراطيّة والضامن لها من أن تتحول إلى جمهرة تأكلها العصبيات وتشوّهها.
من الذي يؤسس أو يرفع منسوب الديمقراطية والمشاركة؟ وهل في إمكانه ذلك إذا لم يكن آتياً من وعي ومعرفة وتجربة واقتناع بالحرية؟ وإذا كان الحقّ والصواب يقاسان بالعدد وحده من دون اعتبارات أخرى، فإنّ الأرصدة تنفد إذا لم يكن العقل الذي يملكها تنموياً، ولم يكن المصرف الذي تودع فيه أميناً ودقيقاً، والثروة الحقيقية في المال والسياسة لا تقاس فقط بمقدار ما تملك، بل بحسن الإدارة والتنمية.
والديمقراطية الحقيقية شرط التنمية الحقيقية، ولا يستبد إلا الضعيف حاكماً ومحكوماً.

(من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 8 يونيو، 2015 3:53 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>