علامات النصر في هزائم حزيران

كتاب “النقد الذاتي بعد الهزيمة” لصادق جلال العظم، الصادر عام 1967، جاء صرخة في واد. قبله كان قسطنطين زريق قد كتب عن “معنى النكبة” في عام 1948. ما عدا ذلك ظل النقد تراشقاً داخل الخندق الواحد ، تماماً كما يحصل اليوم بين شركاء المصير في الثورة السورية. تناول صادق جلال العظم الأبعاد الحضارية للهزيمة، غياب الدولة والمواطنية والحرية ومحنة القومية، بنية المجتمع العربي التقليدي، العجز عن تقبل الحقيقة، والميل إلى إخفاء العيوب، الحماس المفاجئ والإقدام العنيف والاستهانة بالصعاب في البداية، ثم فتور الهمة، المغالاة في إظهار القوة الذاتية والاستهتار بالعدو، وقبل هذا وبعده، تظل نظرية المؤامرة حاضرة للتملص من أية مسؤولية.

 

رسخت هزيمة حزيران اللبنانية التقاليد الاستبدادية وتعبيرها الاحتفال بالنصر برفع الراية من بين الأنقاض، بعد أن كان ذلك موضع شك وتندر كلما تكرر الاحتفال بهزيمة حرب تشرين في سوريا. فقد خرجت القوات الفلسطينية المسلحة من لبنان عام 1982 رافعة شارة النصر من على ظهر السفينة، مكرسة هذه الثقافة التي كان قد جسدها نهج النظام السوري ثم تابعها ليبيد شعبه اليوم من أجل أن يبقى النظام، وقد بلغت ذروتها، بعد ذلك، في النصر الإلهي الذي أعلن من غير مواربة أن معياره الوحيد للانتصار هو سلامة القيادة ، حتى لو مات الثلثان ليحيا الثلث الباقي بكرامة، وليس الثلث إلا القيادة ومن حولها. إنها صور نموذجية للاستبداد.

 

هذا التقليد، مضافاً إليه الاستناد إلى نظرية المؤامرة، مستلهم من فكر غيبي ديني يسهّل للمذنب التملص من المسؤولية وإحالتها إلى قدرة قادر بل إلى القدر المرسوم في لوح السماء. ومن نتائجه إعفاء المقصرين من أية مسؤولية عن الهزيمة، وتبرئة القيادة من أية تبعات، وإعطاؤها الحق في التنكيل بخصومها في الداخل وكم الأفواه وفرض الأحكام العرفية وانتهاك الدساتير وتعميم الاستبداد والسعي إلى تأبيده. باستثناء استقالة عبد الناصر بعد الهزيمة، أليس هذا ما حصل بالضبط في كل الجمهوريات الوراثية التي اندلع فيها الربيع العربي؟

ألا يشكل هذا الخطوة الأولى الضرورية على طريق تعطيل الرقابة الشعبية على السلطة وإلغاء كل ملامح الديمقراطية والعودة إلى أنظمة الوراثة وتقديس الحاكم؟ حتى الانتصار الذي تحقق في لبنان ببطولات المقاومة اللبنانية جرى توظيفه لتكريس المعاني المشوهة للثورة. فقد ساد الاعتقاد بأن وجود المقاومة ونجاحها رهن بغياب الدولة.

 

صار الانتصار الحقيقي باباً للتسابق على تهديم بنية الدولة. الأصوليات “الثورية التقدمية” تفاخرت بأنها كانت البادئة ثم ورثت الأصوليات الدينية المهمة واستكملت عملية التخريب الممنهج لدول المشرق العربي، لبنان وسوريا والعراق. من المعاني المشوهة للثورة والمقاومة، رفض التفاوض، وهو شعار رفع في مؤتمر الخرطوم مع اللاءات الثلاث، لا صلح لا اعتراف لا مفاوضات.

 

كل السياسة العربية كانت محكومة بالمبالغات التي أشار إليها صادق جلال العضم، أي ببهورات سياسية واستحالات نظرية وعملية كمثل إزالة اسرائيل، أو بهورات عسكرية كالظافر والقاهر والناصر أو صواريخ صدام حسين. وقد أثبتت الوقائع أن هذه المهمات الأمنيات قد تكون مطروحة على جدول عمل التاريخ لا على جدول أعمال حزب أو حركة، وقد يكون ممكناً في زمن ما أن تزول إسرائيل من الوجود، لأن وجودها مناف لمنطق التاريخ، لكن إزالتها برميها في البحر ومحوها عن الخارطة وعدم الاعتراف اللغوي بها ستظل من المستحيلات طالما ظل الاستبداد سمة غالبة على أنظمة الحكم العربية وطالما بقيت الشعوب مستبعدة عن تقرير مصيرها واختيار حكامها.

 

بعد أن انتهت تلك الشعارات بمفاوضات سرية في كل مكان ثم علنية وجماعية في مدريد وثنائية في كامب ديفيد، يحق لنا أن نطرح سؤالين اثنين: الأول هل يصح تعميم الاستراتيجية نفسها على الفلسطينيين الذين تشردوا من أرضهم وعلى سواهم من الشعوب العربية في العراق وسوريا أو في الجزء الأفريقي من العالم العربي؟ وإذا كان الكفاح المسلح مشروعاً أمام الفلسطينيين ، وشعوب عربية أخرى احتلت أرضها كالشعب اللبناني، فماذا يعني هذا الشعار لمن يعيشون بعيداً عن بلدان الطوق؟ والثاني، أيهما كان أكثر فائدة نهج الرفض المتمثل بشعارات الخرطوم، أم الكفاح المسلح وخاتمته مفاوضات ؟

نهج حزب البعث أم نهج ياسر عرفات؟ المقاومة في لبنان، الفلسطينية واللبنانية، أسست لمرحلة جديدة من التاريخ العربي، وجهها الناصع مقاومة الاحتلال ومقاومة الاستبداد، وأثمرت، مع عوامل سياسية أخرى، ثلاثة انتصارات واضحة، دخول أبو عمار إلى فلسطين مجسداً صحة السياسة الواقعية( كفاح مسلح ومفاوضات وغصن زيتون في الأمم المتحدة) ضد بهورة الأنظمة ومبالغاتها؛ دحر قوات الاحتلال الصهيوني من لبنان تأكيداً على أن الإرادة الشعبية أقوى من الجيوش؛ إخراج القوات السورية انتصاراً للوطن الديمقراطي على أنظمة الاستبداد وأدواتها وأجهزتها القمعية.

 

أما قفا هذه الانجازات فقد كان كالحاً بل كارثياً. أسست المقاومة المسلحة لفتح أبواب فلسطين أمام ثوارها، غير أن التقاليد الموازية التي تأسست مع المقاومة الملسحة تمثلت بتدمير الدولة والوطن في لبنان، وبتغليب فكرة المقاومة على فكرة الدولة، ما انعكس فشلا في بناء الدولة في فلسطين، واستقواء للمقاومة على الدولة في لبنان، واستنهاضاً لثقافة إلغاء الدولة والاستغناء عنها، وهي ثقافة متجذرة في فكر الأصوليات الماركسية كما الدينية، ناهيك عن الفكر القومي الذي، هو بالتعريف، لا يقوم على غير الشوفينية والتعصب والاستبداد. بالهزائم أو بالانتصارات، صار من الملح أن يتحول سؤال الدولة الى سؤال محوري. فلو تحررت فلسطين غدا، سيكون السؤال أي دولة سيبنيها المنتصرون؟ وأيا يكن المنتصر في معارك الربيع العربي ، سيكون السؤال، ما هو شكل الدولة. والحل واحد : الدولة الديمقراطية المدنية. دولة المواطنة والتنوع وتداول السلطة. كل ما عدا ذلك كان سببا للحروب.

(المدن)

آخر تحديث: 6 يونيو، 2015 9:45 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>