التجربة الدينية

أنِست في جبّتي سعة أغرتني بالاتّساع. لم تُطبق جبّتي على أضلعي، إنما كان صدري يضيق بأمور أخرى، كالخطاب الدينيّ المتعالي الذي يرفع التقوى والورع إلى مصاف اعلى من المقدور لدى الإنسان، ثم يهبط بالفعل والسلوك والهمّ والاهتمام عملياً إلى دونية تجعلك حزيناً ومحبطاً ويائساً ونادماً.
ما الذي ألحقني بهذا الركب الذي يختلط فيه الحصى باللؤلؤ، ويشتبه فيه الحق بالباطل، وتصبح البطالة فِعالة، والفِعالة بطالة؟
لقد قرّرت اللحاق بالركب وفاءً لَمنبتي، متحمّلاً عقاب الأهل الذين لم يُعلّمهم أحد ولم يُعوّدهم أحد أن التواضع والاندماج لا يأتيان إلاّ من المحبّة والقوّة.
لقد بقيتِ المساحة العامّة في تكويني الفكريّ والوجدانيّ غالبة على خصوصيات الموقع الديني ومستلزماته الوظيفية وضرائبه الباهظة وتعقيداته المُرّة. ولم تكد تمضي سنة واحدة على مواظبتي على إمامة الجماعة في جامع قريتي المبنيّ من حجارتها غير المُقصّبة وبترابها الذهبيّ والمسقوف بأخشاب من الزيتون، حتى تبيّن لي أنّ المحراب هو مكان أو فضاء للوصل لا للفصل، وأنّ الصلة بالله تعالى لا يمكن أن تتمّ او تتوثّق أو تدوم او تزهر أو تثمر من خارج الجماعة، كل الجماعة، بل من داخلها، من همومها وأشواقها وأوجاعها وحاجاتها الروحيّة والمعنويّة.
وتساءلت وما زلت أسأل عن إمكان دخولي الجنة وحدي، فنبّهني أبو العلاء المعري:
ولو أني حُبيتُ الخلدَ فرداً لما أحببتُ بالخلدِ انفرادَا
ودلّني رسول الله على أن “من عاش بين الناس وصبر على أذاهم، كان خيراً ممن اعتزلهم”.
وأدخلني “أدونيس” في حالة من شعره بقوله: “سمِّني قيساً وسمِّ الأرض ليلى”.
وتساءلت هل استقرّ في روع أهل الإيمان والمعرفة شكّ في أن الخلاص فردي، ولكنه يمرُّ بالآخر كشرط؟
وكانت أمّي عائدة مع الشمس من حقل تبغها، مُتبلّة بالندى المُرّ، شاحبة العينين من النعاس. أرخيتُ عينيّ في صدرها وردّدت مع جبور الدويهي: “الموت بين الأهل نعاس”.
واهتديتُ إلى باب في المحراب موصود بالطمأنينة المفرطة التي تأتي من الجهل والغرور وتنتهي إلى الأمن من غضب الله. أدرتُ قلقي وأسئلتي حول مزلاجه، فانفتح باب المحراب، فأدركتني، عندما بهرني الضوء الآتي من خلف جدار الجامع، حيرة كالتي ادركت سيدنا وأبانا إبراهيم(ع)، عندما تحرّك إيمانه الفطريّ نحو المعرفة، نحو الحقيقة، نحو السرّ، نحو الحيّز الذي يتماسّ فيه الشهود مع الغيب، متطلّباً مُطابقة ما وانسجاماً ومعرفة، فتقلّب بين القمر والشمس والنجد في رحلته من المتكثر إلى الواحد، أخرجه الله من حيرته، أما أنا فقد دخلت في التجربة والحيرة.
بعد أيام حزمت حقائبي وعدت إلى النجف، كأنّي هربت إلى أمّي، إلى رحمي العلميّ، ولكني لم أمكث طويلاً. فقد أتاني خبر بأن شركة “الريجي” تضمر شرّاً لمزارعي التبغ. وكنت قد قرأت غرامشي و”المثقف العضوي”. لم أفهم كثيراً ولكني أيقنت بأن الثقافة بمعناها النضاليّ خير من النخبويّة المنفصلة ومن الأكاديمية اليابسة، فقفلت عائداً عام 1972 إلى حيث ولدتني أمّي أواخر 1946، إلى جانب شتلة التبغ. ودخلت في المزارعين وحركتهم، رأيت عن قرب مزارعين اثنين يسقطان برصاص رسمي، ولاح لي والدي من بين لجموع المذعورة يركض مرّة باتجاه الطريق العامّ ومرّة باتجاه مصدر الرصاص. ولكنّ حركة المزارعين لم تلبث أن أفلتت من أيديهم لتستقرّ في أحضان الأحزاب التي صادرت الحركة والقضية ودور المزارعين.
انزاحت الغيمة. فأين أولي وجهي؟ ذهبت إلى فلسطين، فربما كانت الصعيد الذي أعيد عليه توحيدي السياسي والثقافي والاجتماعي. فكان الذي كان، فلسطين آخر القوس، فلسطين آخر الجسر. فهل إلى الضفّة الأخرى بعدُ من سبيل؟

• هاني فحص – من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان

آخر تحديث: 11 مايو، 2015 2:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>