كيف سينعكس الاتفاق النووي الأمريكي – الايراني على روسيا؟

من الأمور المثيرة للاهتمام في ما يتعلق بالاتفاق النووي الأمريكي- الإيراني الذي لا يزال التفاوض على شكله النهائي مفتوحا حتى حزيران/ يونيو المقبل، أن يترك نتائج مختلفة وفي بعض الأحيان متصاربة لدى عدد من اللاعبين الإقليميين والدوليين، وهو بهذا المعنى قد يرقى إلى أن يكون الورقة التي تخلط جميع المعطيات التقليدية التي عرفناها لعقود طويلة وبشكّل يصعب معه رسم الملامح النهائية لتداعياته على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يأتي هذا المقال ضمن سلسلة المقالات التي تناقش الاتفاق النووي من مختلف جوانبه والانعكاسات التي سيتركها على عدد من اللاعبين المهمين الإقليميين والدولين، والمعني به هذه المرّة اللاعب الروسي. في ما يتعلق بروسيا، نستطيع أن نقول إنّ الاتفاق حال التوقيع عليه بشكله النهائي سيترك مجموعة من النتائج الإيجابية والسلبية التي تخلق حالة من الشعور المختلط لدى موسكو.

أولا: الاتفاق قد يحد من توجه إيران لامتلاك قنبلة نووية لفترة زمنية، وهو أمر جيد لموسكو. صحيح أنّ روسيا ساعدت إيران في محطات متعددة خلال العقد الماضي على تحقيق تقدّم في برنامجها النووي لكن ذلك لا يعني أن روسيا توافق على امتلاك إيران للأسلحة النووية لأنّ من شأنه أن يترك تداعيات خطيرة على موسكو وعلى نفوذها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى بشكل كبير، وهي المنطقة التي بقيت تحافظ فيها على سطوتها لقرون.

كما أنّ إيران نووية يعني قدرة أكبر على الوقوف في وجه موسكو إزاء مطالب متزايدة في بحر قزوين، ناهيك عن إمكانية خضوع دول بعض الدول (ذات الاهتمام الروسي) التي تقع في المحيط الجغرافي الشمالي والشرقي لإيران في دائرة نفوذ طهران.

ثانيا: الاتفاق يفتح المجال واسعا لتظهير التحالف الأمريكي- الإيراني “الشيعي” ضد الحركات المتطرفة المحسوبة على ألسنّة “كداعش” والـ”القاعدة” بشكل رسمي دون إنكار من أي طرف، وهو هدف يتقاطع للمفارقة مع التوجهات الروسية أيضا التي تبني كل خطابها في تبرير سياساتها في الشرق الأوسط على شمّاعة نفس الحركات.

ثالثا: رفع العقوبات بموجب الاتفاق حال تم سيدرّ على إيران مليارات الدولارات التي سيذهب جزء كبير منها بالتأكيد لتحديث ترسانتها العسكرية التقليدية كما سبق وذكرنا في مقال سابق، وهذا وضع مفيد جدا لموسكو لأنه سيتيح تصدير المزيد من الأسلحة إلى إيران وبالتالي الحصول على مليارات الدولارات، وقد تتحول طهران حينها بالنسبة لموسكو كما هي الرياض بالنسبة لواشنطن في هذا المجال. ويبدو أنّ الأحداث تجري بشكل أسرع من المتوقع، إذا أن موسكو أعلنت قبل أيام فقط أنّها رفعت القيود عن تصدير منظومة إس-300 إلى طهران، حتى قبل أن يتم توقيع الاتفاق النووي النهائي رسميا.

رابعا: سيتيح الاتفاق لروسيا التواجد بشكل أكبر في قلب منطقة الشرق الأوسط وذلك لملء الفراغ الذي سيتركه التراجع الأمريكي خاصّة إذا بقيت السياسة الإيرانية العدائية والتوسعيّة هي القائمة، حيث يستدعي ذلك مزيدا من الحروب الإقليمية ولاسيما تلك التي تقام بالوكالة عبر عصابات وميليشيات، وبالتالي مزيدا من الأسلحة الروسية ومزيدا من الدور الروسي.

خامسا: سيتيح الاتفاق لعب دور أكبر لروسيا في البرنامج النووي الإيراني من خلال الشروع في بناء 8 وحدات للطاقة النووية وفق اتفاق جرى توقيعه بين الطرفين في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، بالإضافة إلى دور موسكو المحوري في تزويد إيران بالوقود النووي اللازم لهذه الوحدات.

سادسا: منافع اقتصادية تجارية ناجمة عن رفع التبادل التجاريبين البلدين من حوالي 3 إلى 5 مليار دولار حاليا إلى ما يطمح إليه كلاهما وهو 70 مليار دولار، كما ذكر الطرفان في اجتماعات اقتصادية وتجارية عقدت نهاية العام الماضي.

هذه كانت الأخبار الإيجابية بالنسبة لموسكو، أمّا الأخبار السلبية فتتمثل في الخوف من عودة النفط والغاز الإيراني إلى الأسواق بقوّة، حيث سيترك ذلك تداعيته على الجانب الروسي بشكل دراماتيكي مع الوقت، إلا إذا كان هناك تفاهم بشأنه بين الطرفين.

تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز في العالم ورابع أكبر احتياطي من النفط. ووفقا للتقارير ولتصريحات وزير الطاقة الإيراني، فإن طهران ستكون قادرة على رفع قدرتها على إنتاج النفط بمقدار مليون برميل يوميا خلال أشهر قليلة فقط من رفع العقوبات.

واستنادا إلى تقديرات البنك المركزي الروسي فإن هذه الخطوة قد تؤدي إلى خسارة موسكو عوائد بقيمة حوالي 27 مليار دولار.

أضف إلى ذلك أنّ تركيا وأوروبا ستكون الهدف الأول لصادرات إيران من النفط والغاز، وهذا يعني تقليص حصّة موسكو في هذه الأسواق التي تعتبر المستهلك الأكبر للغاز الروسي، والمصدر الأكبر لأرباح شركة غاز بروم التي فقدت حوالي 30% من أرباحها خلال العوام الأربعة الماضية.

وبما أنّ هذه المعطيات تأتي في مرحلة تشهد تصادما أمريكيا وأوروبيا مع السياسات الروسية حول أوكرانيا حيث فرضت هذه الجهات عقوبات قاسية على روسيا، وتسعى الدول الأوروبية في نفس الوقت إلى تقليص الاعتماد على الغاز الروسي وتنويع الواردات والبحث عن بدائل، فإن إيران ستكون حاضرة في هذه المعادلة بشكل قوي لتحل محل موسكو. وهذا يعني أيضا تقليص قدرة الأخيرة على استخدام الغاز كسلاح جيوبوليتكي أو كورقة ضغط وابتزاز في وجه الولايات المتحدة.

ولهذا السبب بالتحديد هناك وجهة نظر تقول إنّ موسكو تحاول عرقلة الاتفاق الحالي بشكل غير مباشر، وما السماح ببيع منظومة الدفاع إس-300 لإيران في هذا التوقيت بالذات إلا أحد أوجه عرقلة الاتفاق، على اعتبار أنّ هذه الخطوة ستحصّن إيران من أي عقوبات إن هي قررت خرق الاتفاق في أي مرحلة من المراحل، وقبل ذلك فإن هذه الخطوة تعزز من موقف إيران الحالي وتزيد من احتمال فشل التوصل إلى اتفاق لأن الجانب الإيراني سيشعر أنّه في موقف أقوى للتمسك بشروطه.

وعدا عن هذه المعطيات، فإن تسليم هذه المنظومة يعزز من احتمال قيام بعض الدول الإقليمية (إسرائيل) بضرب المنشآت النووية الإيرانية ويدفعها للاعتقاد بأنّ عليها التحرك بسرعة لتنفيذ هذه الضربة قبل أن تصل المنظومة إلى إيران.

أيّا يكن الأمر، فإنه من الصعوبة بمكان تقدير حجم الأرباح والخسائر بالأرقام المجردة وهذا ما قد يدفع الطرف الروسي إلى خطأ في تقدير الحسابات، علما أنّه من المفروغ منه أنّ موسكو لا تريد بالتأكيد الشق الأخير من الانعكاسات المتأتية عن هذا الاتفاق والمرتبطة بإمكانية تدفق النفط والغاز الإيراني إلى أوروبا، وتبحث عن الطرق الممكنة لتلافي تداعياته.

(عربي21)

آخر تحديث: 18 أبريل، 2015 3:53 م

مقالات تهمك >>