التجربة اللبنانية مع الحريات

إن التعدّد الإثنيّ او الدينيّ أو السياسيّ أمر طبيعيّ. وهو في كل الحالات وعلى مرّ التاريخ كان ويبقى بين احتمالين. وأحد هذين الاحتمالين هو أن يعي أطراف هذا التعدّد جميعاً، أو الطرف الأقوى فيه على الأقلّ، أو الدول التي تحكمه، تعدّدهم وعياً إيجابياً، فيتحول عندها إلى مصدر نمو معرفيّ وإنتائجيّ.
هذا ما حصل إلى حدّ كبير في أوروبا على رغم كلّ التعقيدات. ولكن الذي حفظه وأبقاه على خطّ التقدّم هو أنه تحوّل من وقائع وأحداث ووعي متدرّج لضرورات الحياة والاجتماع إلى دساتير وقوانين وتربية، أي أن الحرية التي قام عليها تحولت إلى أفكار وقيم يومية عبر التربية عليها ورعايتها والتزامها من قبل الدولة، فتحوّلت الحرية أو الحريات إلى نظام بدلاً من الفوضى التي استغلَّت سابقاً التعدّد استغلالاً سيّئاً ومُجرماً، اقتضى خمس مئة عام من الحروب الدينية والطائفية البشعة، والتي بدأت بالحروب الصليبية ضد المسلمين، ثم ارتدّت إلى الداخل الأوروبي الذي بدأت فيه.
ولعلّنا الآن في الوطن العربي، وهذا ليس تذكيراً بالماضي بل دعوة إلى نسيان الماضي عبر علاقة داخلية قانونية دستورية تنقّي الذاكرة، وأمام سقوط السلطات والسلاطين الذين حوّلوا الدولة إلى بنية منفصلة عن اجتماعها، بعدما عاشوا في السلطة أكثر مما يُحتمل، وقادوا عمليات الفتن المختلفة بين مكوّنات اجتمعهم الوطني، وبعدما أدى الحرمان المفتعل والقاسي من الحرية إلى التخلّف والفقر والفساد ونقص الخبز، أصبحنا أمام مشهد الحرية التي بدأت بالعودة إلى حياة مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والبحرين، بعدما عادت قبلاً إلى العراق.
ولا بدّ هنا من قراءة متأنية ومتبصّرة للتجربة اللبنانية التي كان فيها التعدد المتوازن سبيلاً إلى التمايز والتقدّم، على رغم غلبة نسبية من فئة على فئة مرة هنا ومرة هنالك، مع ما يعني ذلك من حرمان أيضاً. لكن الطبقة السياسية لم ترق الآن في وعيها إلى مستوى تحويل التعدد والحرية المترتبة عليه عملياً إلى مشروع سياسي ديمقراطي، يحوّل الإشباع بالحريات من طريقه إلى الفوضى والفتنة والتجزئة إلى نظام حريات يحفظ الجميع، ويضع حدّاً للجميع، عندما تطغى المكوّنات الفرعية للجماعات الدينية على المكوّنات العامّة، فيصبح الوطن والمواطن في خطر.
ومن دون حرية منظومة وناظمة ومنظّمة، لا أدري كيف يمكن أن ينمو البلد المتعدّد في مكوناته، أو كيف تكون هناك زراعة وصناعة وتجارة وجامعة وأدب وفن ووحدة وطنية واجتماعية، أو كيف يكون هنالك دين. صحيح أن للحرية ضرائبها، لكنها في أسوأ حالاتها أقلّ فداحة من ثمن الطغيان أو الاستئثار السياسي أو الاثني أو المذهبي.
أوجّه نداء إلى السياسيين: هاتوا لنا ضماناً لتعزيز الحريات، وخذوا منا رضى وتشجيعاً لمُحاربة من يستغلّون الحرية في غير مقاصدها وتحت سقف القانون الذي يفرّق بين الحقوق الفردية والعامة وبين التجاوزات المؤذية للقيم والأفكار الجامعة.

(من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 1 يوليو، 2017 10:12 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>