عن حياتي بين الجثث في «محور الشر»

المجرمون انفسهم يسفكون الدماء ويقتلون الابرياء تحت حجج مختلفة. في العراق سجّل ابناء بلاد ما بين النهرين اسماءهم على سجلات الموت. انتظروا طائرات القتل لتقتلهم. في سوريا كذلك الامر. الموت لا يفارق بلادنا.

غريبون هم القَتَلة، من بشار الأسد وجورج دبليو بوش وسلوبدان ميلوسفتش، وصولاً الى صدام حسين الذين كان أغلب ضحاياهم سكاناً مسلمين. جميعهم أعلنوا حروبهم على الشر وخاضوها بالنيابة عنا ولأجلنا طبعاً، اكان في الشرق الاوسط أم في المنطقة المحاذية اي روسية الجميلة.

كان هنالك أدلة وافرة عما جرى في البوسنة وسربرنتشيا وآلاف الوثائق الرسمية التي تتحدث عن حياة الناجين من حفلة تطهير تشيكوسلوفاكيا وأيضاً عن أشباح معتقل غونتانامو. الآلاف تذكروا كل هذه الاحداث في وقتٍ كان عدد ضحايا غزو العراق عام 2003 يتصاعد، وبالنسبة لأميركا فإن مقتل 690 ألف عراقي بين 2004 والـ2011 نتيجة “أعمال الإرهاب والعنف والأعمال العسكرية” يثير الاشمئزاز والرعب. لا بد أن روايات الحرب كريهة حتماً، خصوصاً هراء البراميل المتفجرة ومقابلة الـ”بي بي سي” مع بشار الأسد. حيث لم يكن انكار الأسد لمسألة البراميل المتفجرة يوازي سخافة سؤال المحاور البريطاني جيرمي بوين. كيف تجرأ محاور غربي على طرح هكذا سؤال؟

المقصود حتماً ان قتل خمسة عشر مدنياً في مدينة حلب يتطلب أكثر من مجرد برميل متفجر ويستلزم تنفيذ الجريمة وجود جنود وضباط اعنف من اولئك الموجودين في الجيش العربي السوري. كما والتنكيل بأجساد الاحياء في سجن أبو غريب يحتاج إلى جنود اقل إنسانية من أولئك المنضوين تحت راية الشرطة العسكرية الاميركية. ما عدا ذلك وللآسف كانت ملامح بوين تدل على اقتناع تام بإجابة الأسد “أعرف كيف يعمل الجيش، إنهم يستخدمون الرصاص والصواريخ والقنابل، لكن لم اسمع انهم يستخدمون البراميل أو اواني طبخ”.

هل استمعنا إلى عبارة “مباركة بالنصر و السلام” التي يأتي ذكرها في نشيد الأمة الاميركية، مرفقة بوقع موسيقى حربية رائعة؟ أثناء إجتياح العراق، حجز الكثير من العراقيين اسماءهم في سجلات الموتى، وفي الواقع كان لسكان مدينة الفلوجة وتكريت النصيب الأكبر. مبارك السلام إذاً.

صدقوا إن الآف السوريين دُمرت أرواحهم باواني الطبخ من أجل “مباركة بالنصر والسلام”. لقد قتلت كل تلك الارقام في زمن ليس على أحد فيه واجب البقاء حياً، وحيث لا يوجد موقف مثيراً للحزن وللشفقة ولشعور الشجاعة أكثر من حادثة ذبح طباخ وممرض مع مجموعة مقاتلين اسلاميين على يد جنود القوات السورية في منطقة حردنتين في حلب.

هذا الكلام يُعد مثالاً مأساوياً عن سجل الموت المملوء برائحة العفن وطنين الذباب الازرق، وهو بالطبع ما تحبه المحكمة الدولية في لاهاي. ولهذا السبب، عندما تقول كارلا دلبونتي أثناء مرافعتها لمحاكمة ميلوسفيتش “اليوم نرى العالم يتحرك ليثبت للجميع ان لا احد فوق القانون”، يبدو انها سمعت كثيرا مثل هذه القصص واعتادت عليها. ثمة قصر شعبٍ في سوريا ورئيس للجمهورية، وفيديو عن احراق طيار أردني ومشاهد اخرى عن تقطيع المرء إلى قطع لحمٍ صغيرة. الحرب هي الحرب بالحماسة نفسها وبالنساء المبقورة بطونهن، والذي يُذكر الشعب السوري دائماً أن حافظ الأسد كان رئيساً سيء السمعة هو لفظ “الإخوان المسلمين” ومدينة “حماه” وعام “1982”.

هكذا بكل بساطة، لا يمكن لأي وثيقة أن تموت، وإن كانت لا تحمل اخباراَ سارة. وحتى يومنا هذا، تُزّين صورة حافظ الأسد الليرة السورية ومازال الصربيون يضمرون كرهاً دفيناً بوجه مسلمي البوسنة. لقد قيل لنا أن النزاعات تحمل طابعاً جميلاً بأفكارها كافة، ولليوم لا يوجد وثائق أكثر امتاعاً من تسريبات وكليكس ومن شخصية ادوارد سنودن اللطيفة. أذكر طوني بلير، سبق وانضم جيشه إلى حلف شمال الأطلسي في حرب افغانستان، وسأتذكر في السنوات القادمة “عاصفة الحزم” التي قادتها السعودية على حوثيي اليمن. في قرارة نفسي، لا أؤمن طبعاً بمبدأ الإنتصارات في الحروب، ربما سينتصر المتمردين الإرهابيين. من يعلم؟ دعونا لا ننسى الملك سلمان المحارب من أجل العرب بوجه تمدد إيران. والآن، يا للرعب، لقد دمرت الضربة الجوية الأولى لعاصفة الحزم رادار الدفاع الجوي والثانية مدرج المطار الحربي والقصر الجمهوري، اما الضربة الثالثة استهدفت مخازن الأسلحة في المطار العسكري ومبنى قيادة الدفاع الجوي.

وبالنسبة لي أنا، فقد بدأت أعتاد على دفن رأسي داخل كم هائل من الصحف، لطالما حاولت أن أحصي على سبيل المرح عدد الأخبار التي أمُر عبرها يومياً. كان عدداً خيالياً يلامس 10080 خبراً. اصابني الرقم بخيبة أمل، ومن المؤكد أن جزءا لا يستهان به منه يتناول ملوك السعودية وحراك الشيعة بالبحرين وعبدالفتاح السيسي في مصر وتمرد الحوثيون في اليمن. كذلك يرهقني واقع وجود مبنى تعرض خلال حرب تموز للتدمير بضربة جوية اسرائيلية ويبعد بضعة امتار فقط عن مركز عملي. لقد دربتُ نفسي على تقبل هكذا أحداث، ربما لأنها تمثل حقيقة المكان الذي أنتمي إليه والذي يصفه الغربيون دوماً بـ”محور الشر”.

آخر تحديث: 2 أبريل، 2015 12:31 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>