حزب الله-المستقبل.. حوارٌ بـ«7 أرواح»

الى خانة الممهدين لحوار حزب الله-المستقبل أضيف في الآونة الأخيرة أشخاصٌ جدد يتجاوز دورهم “الكومبارس” في تمثيلية الجلسات الثماني. بين ليلةٍ وضحاها لُجئ الى هؤلاء وأسنِدت اليهم مهمّة “تشريح” كلّ الخطابات الهجومية في غير مناسبة والعمل على تخفيف وطأتها… بمعنى آخر ألصِقت بهم مهمّة “تَغدّي” المتحاوريْن قبل أن “يتعشيا” بعضهما.

ليس الرئيس نبيه برّي بعيدًا عن تأدية هذا الدور وإن بشكل مقنّع. فالإطفائي في المراحل الحرجة ملّ “التستير” على من خلفا بتعهدهما التزام التهدئة الإعلامية وتلافي التصعيدات المنبريّة. ومع ذلك، تجده يسارع الى تلقّف أي نارٍ قد تشتعل في هشيم حزب الله والمستقبل وتهدد بالتهام أخضر الحوار ويباسه. ولكن الى أي مدى ستصمد هذه الاستراتيجية؟

أبسط شروط التنفيس
اضطلاع عين التينة بدور تقزيم حدّة الاتهامات المتبادلة والمطّردة على عكس ما يحتاجه الحوار، لا يمنعها من التساؤل في قرارة نفسها عن جدوى تلك الجلسات. هو سؤالٌ يتردّد على شفاه بعض “المستقبليين” أنفسهم وألسنة حلفائهم الطويلة في الكواليس الهامسة المُريدة في باطنها أن يتزعزع هذا الحوار الذي يقصيها. فحوى ذاك التساؤل نابعٌ من واقع المشادات الكلامية والردود المتعاقبة التي لا يوفرها الطرفان عبر تويتر أو خلال مجالس العزاء أو حتى في المناسبات. فكيف يمكن لجليسين يبشّران بإرساء حلول لملفاتٍ كبيرة وعميقة في البلد أن “يبهدلا” بعضهما ويتهم أحدهما الآخر بأبشع التهم ثمّ يعودا الى اللقاء وكأن شيئًا لم يكن مع بسماتٍ عريضة لا تخلو من الاصفرار؟ ومتى مرّرا المسرحية على كوادرهما وجمهورهما بحجّة التنفيس، ما الحاجة الى حوارٍ من هذا النوع إذا كانت أبسط شروط التنفيس غير موفّرة لا على مستوى القاعدة سريعة الهياج بل على مستوى الرؤوس الكبيرة؟
مضغة واهنة…
يؤمن الفريقان بأن حكاية “الحاجة” تلك التي تُجبرهما على الجلوس في غرفة واحدة غدت أشبه بمضغةٍ واهنة لم تعد تقنع المراقبين المتعقلين، وبالتالي بات لزامًا إطلاق رحلة البحث عن ذرائع أكثر قوّة من شأنها أن تسوّغ جدلية جلوس شخصين يشتمان بعضهما في نهارٍ واحد ثمّ يعودان ويتصافحان في اليوم التالي. إذا كان علم النفس يُسمّي هذه الحالة “فصامًا” فإن بطليها لا ينفكّان يضعانها في خانة “الحاجة التي لا يمكن إسقاطها اليوم وقد انطلقت وبانت مفاعيلها التنفيسيّة على تواضعها”. أما بالسؤال عن حجّة أقلّ “كليشيه” وأكثر إقناعًا من لعبة الحاجة تلك، فالجواب لا يمكن إلا أن يندرج في إطار ضرورة الفصل بين ما تشهده تلك الطاولة الصغيرة في عين التينة من بحثٍ في ملفاتٍ داخلية بحت وتعني الداخل اللبناني في الدرجة الأولى وأكثر تحديدًا محاربة الإرهاب الحدودي وانتخاب رئيس للجمهورية قبل الانتقال الى سلاح حزب الله هذا إن بلغ الحوار هذه المرحلة، وبين المواقف التي تُسجَّل عمّا يحدث في الجوار”.

المختارة تستشعر…
خيرُ من يُثبت قوّة هذه النظرية هو النائب وليد جنبلاط، الذي “قوطب” على الجميع أمس بدعوته الى “استمرار الحوار السياسي من دون ربط المسارين اللبناني والسوري”. تلك الدعوة لم تكن مشبوهة ولا مقنّعة، بل وليدة استشعار الرجل، شديد الاستشعار، بتضافر عوامل الانفجار الأكبر في الحوار الساري، فأراد استباق مثل هذه المرحلة المحرجة للجميع وهو أولهم. وعلى الدرب نفسه لاقاه بري ولكن بصيغةٍ مختلفة، إذ قرر الرجل أن يضرب على وتر النتائج لا الدوافع، مذكّرًا كلا الفريقين بالتقدم الملموس الذي حققه حوارهما وذاك المأمول أن يحققه. هكذا قطع برّي الطريق على كلّ محاولات التشويش المستمرة منذ الساعة الأولى لولادة الحوار، تمامًا كما هزّ العصا لكلّ من حزب الله الذي يُنشيه فعل الردّ هذه الأيام على غير عادة وآخر الردود على الرئيس تمام سلام على خلفية خطابه في شرم الشيخ، والمستقبل الذي يُربكه أي سؤالٍ عن مصير الحوار في ظلّ فقدان عناصره الصغار كلمة السرّ والاكتفاء بحفظ تغريدات الرئيس سعد الحريري وتكرارها للإعلام وانتظار أخبار “فراطة” من الرئيس فؤاد السنيورة. والى ثُلة المتمسكين بالحوار ينضمّ القادة الروحيون فتُسمَع في أرجاء بكركي وتحديدًا في القمّة الروحية همساتٌ بضرورة استكمال الحوار، تمامًا كما يخرج دريان مستخدمًا من شحيم صيغة “النهي” بقوله: ممنوع على حوار المستقبل وحزب الله أن يتوقف”.

“نقزات” متواصلة…
بنقزةٍ “قطعت” خطابات الذكرى العاشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري والتي ظُنَّ يومها أنها ستدمّر هيكل الحوار على رؤوس من فيه. لم يحصل ذلك بل اكتفى الحزب بردٍّ ناعمٍ ذات يوم أحد. قطوعٌ ومرّ لكن ليس طويلاً. فالمحكمة الدوليّة أعادت مصير الحوار الى الواجهة تزامنًا مع شهادة السنيورة الحادّة. لم يُمسَّ بسورية فحسب لينتفض حزب الله بل به مباشرة فكانت الردود متقطّعة وليست بحجم ما أدلى به الرجل لقناعةٍ في نفس الحزب بأن الردّ يورّطه في شرعنة المحكمة وخربُها على جبهة الحوار يثبت نظريّة سخطه مما قيل على منبرٍ لا يعترف به أصلاً. قطوعٌ آخر مرّ بالتي هي أحسن. ولكن ما إن هبّت العاصفة السعودية على اليمن حتى وضع المُصلِحون أيديهم على قلوبهم. علموا مسبقًا أن إطلالة السيد التي أعلِن عنها قبل أيام (الجمعة الفائت) لن تخلو من مفاجآت العيار الثقيل وشرارات إشعال حرب كلامية قد تكون أشبه بالثالثة ثابتة لحوارٍ مهزوزٍ أصلاً. قال السيد ما لديه، أوجع آل سعود ضاربًا على الوتر الفلسطيني، فكان الردّ الحريريّ المدافع عن المملكة “الواقفة في صفّ لبنان”. لم يكن أمام المتلقفين هذه المرة سوى منع الفريقين من إفساد خيارٍ داخلي لأجل قضيّة لا ناقة لنا فيها ولا جمل. لم يريدوا أن تكون جغرافيا بعيدة نسبياً (اليمن) رغم قربها في إطار المخطط العام الذي يضرب المنطقة سببًا معلنًا لعودة الساحة الى سابق عهدها لجهة التقاتل على صورةٍ لهذا الزعيم وعلى رصاصٍ احتفاءً بذاك الزعيم وسواهما من أسباب التناحر السخيفة والباهتة. تدخّل بعضٌ منهم كالعادة، فحصلوا على ما علمت “البلد” على “أوراق ضمان استمرار الحوار”.

مُكرهان…
هي ليست “مناغشاتٍ” يهواها الفريقان من فترة الى أخرى. ما يدور بينهما جدّي حدّ عدم قدرة كليهما على كبت حقيقة مشاعرهما. مُكرهيْن يكرران دخولهما الى تلك الغرفة، مُكرهيْن يكرران وعودهما في تلك الغرفة. مُكرهيْن يستمعان الى الأصوات المؤنّبة والتي لا تنقصها إلا “شمطة” أذن على حماقاتٍ يتراءى لبعضهم، عن غباء أو حنكةٍ، أن لا شأن لكليهما فيها من قريب. مُكرهيْن يلتزم أولهما (حزب الله) الصمت إزاء نظرته الى آفاق الحوار، فيما تكتفي مصادر ثانيهما (المستقبل) بتجديد مواظبتها على حضور الجلسات بنبرة “ناكئ جراحٍ ومتعالٍ عليها رغم المظلومية”.

(البلد)
آخر تحديث: 22 فبراير، 2017 3:09 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>