هذا العنف المتمادي، هل هو الجديد؟

الحرب التي نعاصرها اليوم، قد لا تنتهي بخمسين مليون قتيل، كما في الحرب العالمية الثانية. ولكنها تختلف بالتأكيد عن الحروب الكلاسيكية، أو حتى الحروب الأهلية او التحررية. فهي لا تحصل بين جيوش، وعلى الحدود، وبين دول وقيادات، بتحالفات أو محاور رسمية واتفاقات واستراتيجيات؛ ولا هي مؤطرة، بقوانين وأقنية وأعراف وتقاليد. ولا يخشى أطرافها، كما كان المتحاربون في السابق، من انفضاح أمر دمويتهم وشراستهم، كما كانت الحروب والصراعات السابقة؛ إذ لطالما دفع غالياً المنبّهون إلى عنف أولئك المتحاربين، ففقدت غالبيتهم حياتها ثمناً لسعيهم للحقيقة.

خذْ أولاً «خريطة» هذه الحرب: أطرافها دول وميليشيات وأفراد. اخترقت فيها الحدود «الوطنية» السابقة، فدخل فيها الدين والعرق والمذهب والاثنية. في ساحاتها، تجد ميليشيات أقوى من الدول التي يقيمون فيها. يحاربونها أو يفرضون حربهم عليها، أو حمايتهم أو قانونهم أو «حلولهم». وأحياناً، هذه الميليشيات أقوى من دولها الوطنية («الحشد الشعبي» العراقي أقوى من جيشه الرسمي، مثل «حزب الله» الأقوى من الجيش اللبناني)، وبعد الحدود، وقد خرقت الانتماءات الوطنية «الضيقة»، وجنَّدت «مقاتلين»، «مقاومين» أو «مجاهدين»، من أنحاء العالم. وغالباً ما تصل درجة قوة ميليشيات إلى حد إعلانها قيامها بدولة، وميليشيات من حولها في بلدان أخرى، بعيدة جغرافياً، تعلن البيعة لها؛ فيما «ذئاب» متوحدة، لا تقل مبايعةً لهذه الدولة، تنشر الموت، بالرصاص أو السكين أو المفخخة، بين مواطنين مارين من هنا، أو سُيّاح في مدن وعواصم غربية وشرقية، دعماً لمشروع هذه الميليشيات. هي حرب، للدول فيها يد خفية، وأحياناً مشلولة؛ الجيش السوري، أصبح بمرتبة المأمور، مقارنة بالميليشيات التي تتصدى لأعدائه، والتي تديرها دولة يفترض انها حليفته. فيما القيادة السياسية والعسكرية لهذا الجيش أصبحت قلوبها غير مؤتلفة، وكذلك الميليشيات المختلفة، التي تتقاتل في ما بينها، في هدناتها القصيرة؛ والدول نفسها، المتحالفة منها والمتخاصمة، لا تنجو من هذا الجديد: بتشوش خطتها وتفكك عصبها وغمغمات أبطالها وخبثهم الديبلوماسي، وانعدام رؤيتهم. «الشر المطلق» القديم، إسرائيل، بهتت حروبه ضدنا، بل صار هو يقدم نفسه بصفته مهدَّداً بهذه الحروب، وخائفاً من أعدائه المتحاربين… وإلى ما هنالك من تشابكات في الخيوط العريضة والدقيقة التي تجعل من حربنا الراهنة صاحبة سبق، كانت لها إرهاصات.

ولكن ملامح هذه الحرب الدائرة الآن على أرضنا وفي عقلنا، لها إضافات جديدة، تتجاوز أرقام أعداد القتلى فداحة. أول هذه الملامح هي عرض هذا العنف للنظر، بمشهدية. عنف «فني»، محتفى به، يأسر النظر، ويضرب أرقاماً قياسية بالمشاهدة، نظراً لمزجه الموفّق بين الجاذبية والوحشية. حرمة العنف نفسها، انكسرت بذلك، وصارت التابوهات كلها على المحكّ: منها تقديم طفل بصفته جلاداً ينفذ عملية إعدام. الطفل، رمز البراءة الفطرية، كانوا يجنّدونه بالقوة في الجماعات الأفريقية المسلحة؛ وفي الحرب العراقية الإيرانية حولوه إلى زحف انتحاري شعبي. ولكن ولا مرة كان مشهد الطفل الجلاد على هذا القدر من الابتغاء والوضوح. وأن يكون جلاداً سهلاً يعني أن يكون ضحية أسهل؛ قتل الأطفال، بعد تدمير حياتهم، هو وجه من وجوه عنفنا اليوم.

أما ملمحه الثاني، ذاك العنف المعاصر، فهو استلهامه من العهود القديمة شتى، وليس فقط الإسلامية، انماطاً من قتل الإنسان، كانت متوارية في أعماق اللاوعي: فالذبح والصلب والاستعباد والحرق والاغتصاب الصريح والمموّه، والتهجير الجماعي والسرقة المبتذلة، العادية، وتدمير البيوت والقرى، وحرقها، القتل، الفردي والجماعي على الهوية الدينية، الطائفية منها والمذهبية، القتل الكيماوي… كلها أشكال من القتل اعتقدنا، لوهلة من هدنة، ان معظمها ولّى. صحيح انه، قبل هذه الحرب، وُجدت شبكات عبودية عابرة للقارات، سرية، وعداوات مذهبية طائفية، وقتل على الهوية. ولكن ولا مرة كانت هذه «العقوبات» المسماة «شرعية» نهجاً إلا في أزمنة قديمة متوحشة، سابقة على نهاية الامبراطورية الرومانية، وعاشت من بعدها دهراً، ثم ما لبثت ان أحجمت البشرية عنها بعد عصورها التنويرية، لتعود الآن باسم وفائها لحقبة محددة من هذا العالم القديم؛ ليحلّ القتل، بصفته نزوة استبدادية «طبيعية»، رياضة «عادية»، لا حساب فيها ولا قانون غير تلك الرصاصة التي يحملها هواتها الطلقاء.

هذه الحرب، أيضاً، تنقضّ على الذاكرة وباسم ذاكرة أصحابها، ولا تحيي منها إلا ما يؤجج حربها (عداوات المسلمين الأولى، مثلا). تريد أن تمحيها كما محت القرى والبلدات والجماعات البشرية. تريدها ان تكون كما لو لم تكن، هذه الذاكرة. فتندفع بكل ما تملك من نار ومناجل في حرق الكتب وتهديم المتاحف والتماثيل والنصب وأضرحة الأولياء والمواقع الأثرية، ناهيك عن الكتاب والمصورين والصحافيين… كلٌ بحسب حجمه والطريقة الأنجع لإسقاطه أو تدميره أو إلغائه من الوجود. كراهية الثقافة من كراهية الذاكرة الحديثة، ولا معنى للذاكرة التي يفرضها علينا المتحاربون بألوانهم المختلفة من دون الغاء ذاكرتنا الحديثة. من أجل تصديقهم، أي تخلينا عن حريتنا الأدنى، علينا أن نلغي وجداننا، المحفوظ في ذاكرتنا. هذه حرب على طريقة «مايتركس»، حيث تدور المعارك الذهنية داخل العقل، في لعبة أخرى غير الحياة الواقعية، بعدما يكون هذا العقل قد تعرّض لمحو ذاكرته، مؤقتاً، في عملية تكنولوجية جهنمية.

بعد خرق حرمة الذاكرة والأطفال، ارتكاب محرمات أخرى، كان لها إرهاصات، هي أيضا. أماكن العبادة، ومن كل الأديان الإبراهيمية التوحيدية، أصبحت بدورها ميداناً قتالياً بامتياز. ضد الكنائس والكُنُس (جمع كنيس)، ضد المساجد، المختلفة المذاهب. أما حرمات الأشهر الحرام، فهي ممنوعة. حرمة الدين تنتهك باسم الدين، وبذلك، تبلغ هذه الحرب مقامات رفيعة من اللا معنى. فاذا كان القيمون على الدين يملكون كل هذه الشجاعة في قتل مصلين، فهذا يعني بأنه لم يعد هناك حماة للدين، بعدما تضعضع حماة الدار.

انه عنف عصر العولمة، حيث تتفاوت الأزمنة وتتداخل في لعبة إضافية أخرى، لا يسعها غير أن تكون كونية، تتسلل شظاياها إلى البيوت والنفوس البعيدة، فتحرقها بمساميرها المتفجرة. وللتأكيد على جدّة هذا النوع من الحرب، إن أقوى قوة مشاركة بها، أي أميركا، والمترددة في رسم استراتيجيتها… أميركا تلك التي اخترعت نوعاً جديداً من الأبطال، أمثال إدوار سنودن، الكاشفين عن أسرار تجسسها على العالم بأسره، قادة ومواطنين؛ هذه الأميركا بالذات، التي هي الأقوى، لأنها «تعرف»، لأنها متنصّتة على البشرية كلها، ذاهبة الى الحرب وكأنها قوة غشيمة بلهاء. والأكثر جدّة من ذلك، انها وضعت كل ثقلها في سلّة طرف واحد من هذه الحرب، يمكن أن يؤدي «الاتفاق» العتيد مع أصحابها، إلى تحويل الحروب الدائرة الآن، إلى نزهة في بستان.

آخر تحديث: 6 أبريل، 2017 9:26 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>