كيف نمنع تحوُّل المياه إلى سلاح في يد «داعش»؟

إرهاب «داعش» والتنظيمات التي تدور في فلكِها لم يعُد يقتصرعلى ترويع المدنيين والنحر وسَبي النساء وبَيعهنّ في المزاد. ففي الأمس القريب وَجدَت التنظيمات الإرهابية في المياه بطاقةً رابحة واستخدمَتها كهدف وسلاح واستراتيجية لتحقيق مصالحها وبسط نفوذِها في كلّ من سوريا والعراق.

إرهاب «داعش» للسدود والبنى التحتية في العراق تجَلّى في محاولة العصابات الإرهابية الإمساكَ بِـ عَصب الحياة، «المياه»، واستعماله كسلاح، لتنفيذ أعمالها الانتقامية من خلال التحكّم بموارد المياه وتدمير الجسور وتهجير السكّان وحرمانهم من إمدادات المياه، وفقَ ما يوضح رئيس قسم التعاون الإقليمي في وزارة الخارجية العراقية السفير وليد شلتاغ.

ويقول شلتاغ خلال مؤتمر «استكشاف الرابط بين المياه والسلام – السلام الأزرق في غرب آسيا»، الذي نُظّم من قبَل المنظمة الهندية «Strategic Foresight Group» بالتعاون مع معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا «وانا»، بتمويل من حكومة السويد والوكالة السويسرية الدولية للتنمية والتعاون في عمّان ما بين 18 و19 الجاري: «إنّ التحَكّم بمياه الرافدين يقارب بالحَجم التدميري استخدامَ أسلحة الدمار الشامل، ومن شأنه تعريض المنطقة الممتدّة من شمال العراق إلى الخليج للعطش أو إغراق شمالي وغربي بغداد بالمياه»، مطالباً بحماية أمميّة للسدود.

بدَوره، يُذكّر رئيس البرلمان العراقي السابق حاجم الحسني باستخدام «داعش» المياه كسلاح لإغراق الأرض لمنع الجيش العراقي من استخدام المنطقة. ويقول: «إنْ لم يكن لدى حكوماتنا سياسات للتعاون، فإنّ مليوني لاجئ غادروا الموصل والأنبار إلى كردستان، قد يصبحون بيئة حاضنةً للتجنيد لمصلحة داعش».

وتخَلّل المؤتمر إطلاق SFG تقريري «المياه والعنف»، و»إنعدام الأمن المائي: أزمة البقاء في الشرق الأوسط» تحت رعاية رئيس مجلس إدارة معهد «وانا» ورئيس اللجنة العليا لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط الأمير الحسن بن طلال.

وأظهرَ تقرير «المياه والعنف» مشكلةَ القطاعات السكانية التي يتمّ إضعافها من خلال استغلال المياه كهدف أو سلاح واستراتيجية في النزاعات. وتوضِح عضو فريق مبادرة السلام الأزرق والأمين العام السابق لوزارة المياه والري الأردنية الدكتورة ميسون الزعبي أنّ نتائج الحربَين فى العراق وسوريا قد تقوم على مَن سيسيطر على مصادر المياه المتضائلة في المنطقة.

ويَستعرض التقرير العديدَ من الحوادث التي استُخدِمت فيها المياه كهدفٍ للهجوم وسلاحٍ لمهاجمة المدنيين واستراتيجية لتوسيع التمدّد الإقليمي، سواء من قبَل التنظيمات الإرهابية أو الاحتلال الإسرائيلي، مُعَرّجاً على قطع الأكراد مياه دجلة عن بغداد في شباط 2014.

غير أنّ الوزير العراقي السابق لحقوق الإنسان وعضو مبادرة السلام الأزرق الدكتور بختيار أمين يرفض اتّهام الأكراد بتسميم المياه واستخدامها كسلاح ضدّ جيرانهم. ويقول: «البشمرغة والنساء اللواتي وقفنَ ضدّ «داعش» يحمون السدود»، مطالباً الجانبَ التركي بمقابلة اليد العراقية المفتوحة بمثلها.

والجدير بالذكر أنّ الرئيس الراحل صدّام حسين سبقَ واستخدمَ سلاحَ المياه عندما جفّفَ أهوار العراق الجنوبية في 1990 لمعاقبة معارضيه الذين اتّخذوا من الأهوار ملجَأً لهم.

النائب التركي ايغمن باغيس يُذكّر بأنّه عندما كانت هناك علاقات جيّدة مع سوريا، كان القادة يجتمعون وتحَلّ القضايا. اليوم تغيّرَ الوضع، ونحن مختلفون مع الرئيس بشّار الأسد، لكنّنا لن نستخدم المياه كتهديد لسوريا.

بدَوره، يشير عضو مبادرة السلام الأزرق النائب اللبناني باسم الشاب إلى أنّه «في العام الحالي تراجَع خَطر ندرةِ المياه بعد تحسّن نسبة المتساقطات، ليتقدّم عليه الخطر الأمني، فسوريا باتت دولةً فاشلة ونفوذ «النصرة وداعش» يتصاعد، وبما أنّنا في حالة حرب مع إسرائيل، فإنّ التفاوض مع الدوَل المجاورة لا يُطبّق على لبنان»، متخوّفاً من أن يصبح لبنان هدفاً إذا طُرد «داعش» من العراق إلى سوريا»، ما يَجعل 20 إلى 30 في المئة من مياه نهر الليطاني والعاصي تحت سيطرة «داعش».

أمّا الخيارات المتاحة لمنعِ استخدام المياه في الصراعات العنيفة في الشرق الأوسط، كما وردَت في التقرير فتشمل إنشاءَ إدارة للكوارث من قبَل الحكومات، وقوّة حفظ سَلام تابعة للأمم المتّحدة لموضوع المياه، وتعزيز دور الصليب الأحمر في السلام الأزرق وإنشاء مجلس تعاون للإدارة المستدامة للموارد المائية في منطقة الشرق الأوسط، والاستعانة بمبادئ القانون الدولي الإنساني في النزاعات المائية، وعَقد مؤتمر دولي حول المياه والأمن والسلام في الشرق الأوسط وتحويل المياه من سلاح ومصدر للنزاع إلى أداة للسلام والتعاون.

إنعدام الأمن المائي

توازياً، ينطلق الحَسن من الواقع الذي خلصَ إليه تقرير «إنعدام الأمن المائي: أزمة البقاء في الشرق الأوسط « بأنّ نحو 40 مليون شخص من سكّان العراق والأردن وسوريا ولبنان وتركيا يعانون من انعدام الأمن المائي، ليدعو «صنّاع السياسة إلى تطوير استراتيجيات قُطرِية تستند إلى مقاربة تركّز على الكرامة الإنسانية».

ويقول: «إنّ جزءاً من التنمية الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط يتركّز في حوض نهر الأردن ونهرَي دجلة والفرات، والمطلوب أنسَنة الخطاب الإنمائي، والإصغاء إلى المجتمعات المحَلّية والتعاون الإقليمي على إدارة الموارد المائية».

ويُظهِر التقرير أنّ انعدام الأمن المائي هو عدم قدرة السكّان في الحصول على المياه، ويتعلّق بـ»مرونتهم أمام الكوارث المتعلقة بالمياه التي تحدث في ظلّ الفقر القائم والبطالة والنزوح والجفاف وعدم تمكين المرأة، وأنّه ليس مشكلة داخلية فقط ومنعزلة، وتتطلّب اهتماماً عاجلاً وتعاوناً بين البلدان».

إلى جانب ذلك، شغلَ اتفاق تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع بناء قناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت الذي قد تجفّ مياهه في حلول عام 2050 والذي تمّ توقيعُه بين الأردن وإسرائيل في شباط الماضي، حيّزاً هامّاً من جدول أعمال المؤتمر.

وتوضِح الزعبي لـ«الجمهورية» أنّ هذا المشروع لا يلبّي حاجة الأردن، حتى لو تمّ تزويد البحر الميت بمئة مليون متر مكعّب من المياه، مذكّرةً بمعاناة الفلسطينيين الذين يحصلون على أقلّ مِن 20 في المئة ممّا يحصل عليه المستوطنون الإسرائيليون.

كذلك، يستعرض أمين عام سلطة وادي الأردن المهندس سعد ابوحمور أزمة الجفاف والمياه الآسنة للنهر، مشيراً إلى التحدّيات التي تواجه تأهيلَ نهر الأردن من التدفّقات المائية الآسِنة من المستوطنات الإسرائيلية إلى تحويل مصبّاته إلى بحيرة طبريا وروافده الآتية من سوريا.

ويَختم رئيس S F G سنديب واسلكار بالتشديد على أنّه «حان الوقت لقادة المنطقة وشعوبها لأن يستجيبوا إلى المشاكل الإستراتيجية المتداخلة بشكل طارئ وبروح من الرأفة والتعاون، ويمكن لمبادرة السلام الأزرق أن تسهمَ في جعل المياه أداةً لتحقيق السلام».

ويبقى الأمل أن تتّعظ دوَل المنطقة وتتحرّك خطوةً إلى الأمام، ولا سيّما تركيا، فخطر «داعش» آنيّ، والردّ عليه يكون بتفعيل التعاون الإقليمي وتسوية الخلافات عن طريق المفاوضات بدلاً من التنافس، والاستلهام من الإطار المؤسّساتي للدوَل الأربع التي تتقاسَم نهر السينغال، كما عرضَه الأمين العام لمنظّمة حوض نهر السينغال الدكتور بامادين ونصيحته للمؤتمرين بأنّ الإرادة السياسية والحسّ الإنساني هما مفتاحا التعاون.

(الجمهورية)

آخر تحديث: 23 مايو، 2017 1:10 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>