«شيعة جبل عامل ونشوء الدولة اللبنانية» لتمارا الشلبي

في “شيعة جبل عامل ونشوء الدولة اللبنانية: 1918 – 1943” (دار النهار) ترصد الكاتبة العراقية تمارا الشلبي إرهاصات تكوّن هوية الشيعة العاملية في لبنان على مدار عقدين، وذلك في فصول أربعة:

الفصل الأول “ما قبل لبنان الكبير: جبل عامل في ولاية بيروت”. خصصته للبحث في جبل عامل: الإنسان والأرض، الاقتصاد العاملي، والمجتمع العاملي، الحرب الأولى والمجتمع العاملي، جبل عامل والتمثيل السياسي، وغيرها من العنوانين الفرعية.

الفصل الثاني حمل عنوان “العام 1920: جبل عامل إلى لبنان الجنوبي”، ويضم:

أولاً: الفوضى والواقع السياسي الجديد.

ثانياً: تعريف جبل عامل في الدولة اللبنانية.

الفصل الثالث ضم “العبور إلى لبنان: مسالك الانخراط السياسي والديني”، بحثت فيه:

أولاً: مسالك الانخراط السياسي.

ثانياً: مسالك الانخراط: الجانب الديني.

ثالثاً: مسالك الانخراط: الجانب التعليمي.

الفصل الرابع وعنوانه: التاريخ العاملي: بناء هوية لبنانية، ضم أربعة محاور:

أولاً: نحو مساواة تاريخية.

ثانياً: النموذج الماروني: التاريخ الوطني في المفهوم اللبناني.

ثالثاً: النموذج الماروني والنسخة الشيعية، وتبحث فيه عن الرواية الشيعية السائدة، والرواية العاملية الشيعية المحددة.

رابعاً: العرفان والصحافة مرآة جبل عامل.

لماذا هذه الحقبة؟

اختيار الكاتبة هذه الحقبة ينبع من معطيَين أساسيين: إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920، والعمق التاريخي والثقافي لشيعة جبل عامل داخل مجال جغرافي حوّلهم من مدار الخلافة العثمانية إلى “لبنان العربي”.

المفارقة تتمثل في الأدبيات العربية والإسلامية واللبنانية التي “أهملت شيعة جبل عامل” باعتبارهم “طائفة هامشية”. ثمة مفاتيح معرفية كثيفة الدلالة، يمكن الكشف عنها في مسيرة العامليين. الشلبي التي اعتمدت على وثائق ومخطوطات ومراجع وشهادات، لامست القسم الأكبر من وعي شيعة جبل عامل لذاتهم وللآخر عشية انهيار الرجل المريض (الدولة العثمانية) وتدرجهم في استنهاض هويتهم عبر لبنان الجديد.

ورغم أن شيعة جبل عامل المنسيّين لم يكونوا من صنّاع القرار مع السلطنة وبعدها بقليل، لكنهم بنوا حيزاً ثقافياً وسياسياً أدخلهم التاريخ. وهكذا، أسسوا إرثاً معارضاً يعود إلى ما قبل الفترة الممتدة من 1920 حتى 1943.

تشكّل الهوية والانضمام إلى لبنان الكبير

لا تؤرّخ الباحثة العراقيّة للمشهدية السياسيّة عند شيعة جبل عامل فحسب، بل تحدّد الفضاء الاقتصادي والديني والاجتماعي الذي بلوَر معالم هذه الهوية. إلى جانب ذلك، تكثّف إطلالاتها على طرق التعليم في المدارس العاملية النائية، وعلى أبرز الوجوه الثقافية، وأبرزها “الثلاثي العاملي” الشيخ سليمان ظاهر والشيخ أحمد رضا ومحمد جابر آل صفا. هؤلاء المثقفون هم “أول من تكلم في جبل عامل عن وطن عربي ودولة عربية”، من دون أن يتأخروا عن “الالتحاق بالخطاب القومي”.

من ولاية بيروت إلى لبنان، بدأت الهويّة الشيعيّة العامليّة حركة الاندماج في الدولة الفتية. الانضمام إلى لبنان الكبير مهّد الطريق أمام الهويّة الشيعية العاملية، لكن ذاك الآخر، أي دعاة القوميّة اللبنانيّة، ومن بينهم ميشال شيحا، لم ينظروا إلى ذلك الجزء الجنوبي إلّا من خلال الرؤية البرجوازية التي ترفض احتواء التعدّدية. وهم إن أشاروا إليها، فغالباً ما تأتي تلميحاتهم مجتزأة أو على شاكلة الأدب الاستشراقي. وفي هذا السياق، لم يكن جبل عامل في المنظور اللبناني، كما تؤكد الشلبي، قابلاً لاحتواء الشيعة.

شيعة جبل عامل في تاريخهم المنسي، كانوا على تماس ووعي بهويتهم، إلّا أنّ الحرمان بمعانيه المتشعبة، منعهم من تكوين نخبة سياسية. وطوال تعاقب الخلافات على ديار الإسلام، ظلّوا يمارسون استراتيجية المعارضة للظلم من بوابة الأئمة والمشايخ. وحالما أصبحوا على احتكاك بلبنانهم، سلكوا مدارج الانخراط على المستويات الدينية والسياسية والثقافية. مع الإشارة الى أنّ الاعتراف الرسمي بالمذهب الجعفري في العام 1926، وإنشاء محكمة التمييز الجعفرية، كانا بمثابة المدماك الأول لما تسميه الشلبي “السياق التنظيمي”.

“شيعة جبل عامل ونشوء الدولة اللبنانية” يقدم توضيحات عن تاريخ مستبعد، تعود جذوره إلى الافتراق السياسي الذي طبع الإسلام المبكر. وإن كانت هذه التوضيحات فيها عدة إشكاليات وقعت فيها الشلبي.

مفارقة الاجتماع الشيعي تلاحقه حتى اليوم

تأسّس لبنان الكبير على توليفة خاصة: مجتمع طوائفي تديره سلطة طائفية. وقام استقلاله اللاحق على ثنائيّة خاصة أيضاً: عربي بوجه غربي. وفي حين تفسّر توليفة التأسيس أزمة الدولة المعلّقة بين مصالح الطوائف، وتفسر ثنائية الاستقلال مأزق الهوية الملتبسة المتماهية مع “وطن” على قياس الطوائف، بمصالحها الفئوية ووجوهها المتعددة. واذا كانت الدولة المعلّقة أو المؤجّلة نتيجة طبيعية للتنافس الطائفي على السلطة، فإن الالتباس الحاصل في الهويّة يرجع، بدوره، إلى تعدد المعاني الخاصة بالوطن، بحيث تبقى الهويّة الوطنيّة الجامعة إشكاليّة مقيمة ومتوارية خلف المنازعات الأهلية اللبنانية.

وهكذا، تختزل التباسات الهوية إشكالية راسخة في تعقل اللبنانيين لمعنى الوطن حيث تسقط كل طائفة وعيها لذاتها على صورة للهوية الوطنية، والتي تكون كذلك، أي وطنية، بقدر ما تمثل وتتماهى مع مصالح وحصص هذه الطائفة أو تلك وفي نوعية علاقتها مع “خارج” يغذيها ويضمن استمرارها. ومثلما تنهل الطوائف اللبنانية من تواريخها الخاصة ثوابت هوياته، تغرف هذه الهويات من المنازعات الأهلية والولاءات الخارجية مسوغات الإشكالية التي حالت، وتحول دائماً، دون اتفاق اللبنانيين على هوية وطنية جامعة.

وإذ تنسحب هذه الإشكالية على الجماعات اللبنانية كلها، فإن مفارقة الاجتماع الشيعي، وتعقّله لذاته وهويته الوطنية، تكمن في تخصصه وحده، دون غيره، بتهمة “النقص” في لبنانيته، وهي تهمة لازمته منذ انخراطه القسري في دولة لبنان الكبير، ولم تفارقه حتى وهو يقدم الأرواح والأرزاق دفاعاً عن لبنان الكبير نفسه، وفي معزل عن صوابية هذه التهمة والغايات الكامنة في تخصيصها “الشيعي” فإن “لبنانية” الآخرين لم تسقط على وعيهم دفعة واحدة بقدر ما تدرجت وسط متغيرات داخلية وخارجية.

إنصاف يشوبه عدم الموضوعية

وفي الفصل الأخير حاولت الكاتبة إنصاف تاريخ الشيعة، الذي هُمِّش من قبل المؤرخين اللبنانيين في تلك الحقب التاريخية، وتصفه بأنه كان صراعاً على تاريخ لبنان، وأن الإرهاصات الفكرية العاملية تبدَّت باكراً في مذكرات الشيخ أحمد رضا، في عشرات المقالات في مجلة “العرفان” للشيخين سليمان ظاهر وأحمد عارف الزين، وفي المواقف السياسية للسيد محسن الأمين وغيره من القيادات السياسية والدينية في جبل عامل، من حركة المقاومة في العام 1920، والتي كانوا يطلقون عليها “العصابات المسلحة”، وكانت المجموعات الأبرز هي مجموعة الشهيدين أدهم خنجر وصادق حمزة. وإن كانت الكاتبة تخفي دوافع وجود هذه “المجموعات” التي أطلق الاحتلال عليها تسمية “العصابات”، وتغض النظر عن أنها كانت موجهة ضد الاحتلال الفرنسي وضد تقسيم المنطقة العربية وضم جبل عامل إلى دولة لبنان الكبير. إذ إن علماء جبل عامل وقيادة المقاومة آنذاك كانوا مع ضم جبل عامل إلى سورية الكبرى. من هنا يكتسب مؤتمر وادي حجير في ذلك العام نفسه، 1920، ميزة أنه كان الشعلة التي حددت المنارة، خصوصاً عندما ذهب العلماء الثلاثة، السادة محسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين، وعبد الحسن نور الدين إلى الأمير فيصل.

وإن استدركت الكاتبة بقولها: إن إعلان دولة لبنان الكبير شكل نقطة انعطاف أساسية لدى سكان المناطق والأقضية الملحقة حديثاً بالدولة الجديدة، لجهة صياغة هوية سياسية وثقافية ووطنية وابتداعها. وما حدث مع الطائفة الشيعية، في تلك الأثناء بعد العام 1920، أنها مالت إلى كتابة تاريخها باتجاه ما وصفته “علمنة هذا التاريخ وكتابته من خارج أبعاده الدينية الشيعية، واستتباعاً الكونية”. وهي تقصد أن هذه الكتابة كان لها بعد مركزي لبناني، ويتداخل مع الصراع أو النزاع مع كتابات طائفية مقابلة، وبذلك، برأي الكاتبة، يتحدد أيضاً جانب أكيد من خطوات الانخراط العاملي في الدولة اللبنانية، باعتبار أن الشيعة اكتسبوا، في العام 1920، وعياً لذاتهم كشيعة، أكثر عمقاً وذاتية من وعيهم السابق. وإن كانت الكاتبة محقة في أن الشيعة بعد هذا التاريخ، إعلان دولة لبنان الكبير، باتوا الطائفة الأكثر إدراكاً لذاتها ومتطلباتها ولقدرتها على التكيف مع الظروف التاريخية حفاظاً على وجود الطائفة. فما قام به شيعة جبل عامل أن طريقة تعاطيهم مع الأوضاع المحيطة بهم تغيرت بشكل دراماتيكي يأخذ بعين الاعتبار التحولات الهائلة التي حدثت، من انهيار الامبراطورية العثمانية وتفتت المنطقة إلى دويلات، وضم جبلهم رغماً عنهم إلى ما يسمى “دولة لبنان الكبير”، بحكم “انتداب فرنسي” يغلّب الطائفة المارونية في صفوف الدولة ومؤسساتها التي أخذت بالتشكل، إلى جانب الطائفة السنية. فقد جرى أن تم الاتفاق بين هاتين الطائفتين أن تتخلى المارونية عن الدعم الخارجي الأوروبي، أي الاستقواء بفرنسا الأم الحنون، على أن يتخلى المسلمون (السنة) عن طلب الانضمام إلى سورية الكبرى.

من هنا هي محقة في أنهم عملوا على إعادة النظر في مكانتهم السابقة من الحركة التاريخية بعامة، في ضوء متغير موضوعي جديد ينصب ضمن الاطراد التاريخي لحركة الطائفة ودورها المركزي في هذه المرحلة مما يؤمنون به أنهم جزء من حركة التمهيد للولي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وليس كما حاولت الكاتبة إثباته، وكأنهم كانوا خارج السرب اللبناني وحاولوا الانضمام إليه قبل أن يفقدوا تاريخيّتهم “الذاتية”. وهي إن وقعت في هذه المغالطات التاريخية، فلأنها ربما ليست مطلعة بما يكفي على الفكر الشيعي الذي هو نفسه من يرسم أفق الهوية للطائفة.

(بقية الله)

آخر تحديث: 30 مارس، 2015 12:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>