«عاصفة الحزم» وربيع «داعش»

لطالما حاول تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” – “داعش” أن يرسخ وجوده فوق أراضي اليمن، حيث التنافس الشرس مع أقوى أفرع خصمه اللدود تنظيم “القاعدة”. وقد فشل حيناً في هذه المحاولات ونجح حيناً آخر، غير أن التطور الأخير المتمثل بإطلاق السعودية عملية “عاصفة الحزم” ضد تحالف الحوثي – علي عبد الله صالح من شأنه أن يجعل ربيع “داعش” يزدهر في اليمن على نحو لم يكن في حسبانه.

فلم يعد خافياً أن اليمن وليبيا تمثلان أهم البؤر التي بات “الدولة الإسلامية” ينجذب إليها، ويسعى إلى تقوية نفوذه فيها. وهو نجح نسبياً في ليبيا، وأحرز تقدماً مهماً فيها، حيث استطاع السيطرة على مدن عدة، أهمها سرت والنوفلية ودرنة. أما في اليمن فقد كانت مساعيه تصطدم دوماً بصخرة “فرع القاعدة في جزيرة العرب” الذي يعتبر بقيادته ومقاتليه من أقوى أفرع “القاعدة” وأكثرها قرباً من زعيم “القاعدة” أيمن الظواهري.

ولم يبرز نجم “داعش” في اليمن، لافتاً الأنظار إليه للمرة الأولى، إلا منذ حوالي أسبوعين، بعد تنفيذه سلسلة تفجيرات استهدفت مسجدَين من مساجد العاصمة صنعاء وراح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، وقد اعتُبرت هذه العملية دليلاً على تزايد قوته. كما اعتبرت مسارعة “قاعدة اليمن” إلى استنكار التفجيرات والتنديد بها مؤشراً على تدهور العلاقة بين الطرفين، واحتمال انزلاقها إلى صراع مسلح كما حصل في سوريا.

وجاءت عملية “عاصفة الحزم”، التي تقودها السعودية، في هذا التوقيت البالغ الحساسية، كي تزيد من تعقيدات المشهد اليمني عموماً والمشهد “الجهادي” فيه خصوصاً، إذ لم يعد واضحاً من هو المستفيد الحقيقي من وراء هذه العملية، وعما إذا كانت تداعياتها ستؤدي إلى إضعاف التنظيمات “الجهادية” أم بالعكس ستؤدي إلى تقويتها وزيادة نفوذها.

ويوحي ظاهر الحال أن دخول الرياض بنفسها على خط الصراع في اليمن سيترتب عليه تراجع دور بعض التنظيمات المسلحة، وأهمها “القاعدة” و “داعش”، لأن من شأن التدخل السعودي أن يسحب البساط من تحت هذين التنظيمين، ويبدد الذرائع التي كانا يعتمدان عليها في القتال، والتي يتعلق معظمها بمقولة حماية أهل السنة. كما أن من شأنه أن يؤدي إلى انفضاض الحاضنة الشعبية من حولهما، والتفافها حول التدخل السعودي الذي يتمتع بقوة أكبر من كليهما.

ولكن من وراء هذا الظاهر هناك حقائق لا يمكن تجاهلها، وهي تشير بشكل واضح إلى أن التدخل السعودي سيؤدي إلى نتيجة معاكسة، هي زيادة دور التنظيمات “الجهادية” واتساع نفوذها وتضخيم قوتها؛

أولى هذه الحقائق أن عملية “عاصفة الحزم” ستشكل عاملاً إضافياً، إلى جانب عوامل أخرى يحفل بها المشهد اليمني، في تفاقم حالة الفوضى السائدة في البلاد والدفع بها نحو مستويات غير مسبوقة. ومن المعروف أن مناخ الفوضى هو الأمثل لنمو التنظيمات “الجهادية”. وثانيها أن القصف الجوي، الذي تقوم به الطائرات السعودية وطائرات دول أخرى، قد يؤدي إلى انسحاب مقاتلي تحالف الحوثي – صالح من بعض المناطق، ولا يوجد على الأرض من يملأ الفراغ الذي سيحدثه هذا الانسحاب إلا مقاتلو “القاعدة” و “داعش”، وهذا يشكل فرصة ثمينة لهما للسيطرة على بعض المناطق الجديدة ومحاولة توسيع نفوذهما.

وأخيراً، فإن وحدة الأهداف بين عملية “عاصفة الحزم” وبين مساعي “القاعدة” و “داعش” المتمثلة في قتال الحوثيين باعتبارهم “كفرة ومرتدين” سيكون من شأنها إيقاع الحاضنة الشعبية في فخ هذا الاتحاد، ويقودها إلى الاعتقاد أن “القاعدة” و “داعش” كانا يفعلان الصواب، بدليل أن الرياض تقوم به حالياً، وهو ما سيمنع انفضاض الحاضنة الشعبية عنهما، هذا إذا لم تتمسك بهما أكثر بعد ثبوت صوابية تصرفاتهما، أي أن التأييد لهما لن يتناقص بل ربما سيزداد.

وإذا أخذنا بالاعتبار أن “قاعدة اليمن” تلتزم بالضوابط التي وضعها زعيم “القاعدة” أيمن الظواهري في تنفيذ بعض العمليات، فهذا يعني أن يدها ستكون مغلولة نوعاً ما، ولن تتمكن من مجاراة ما يمكن أن يقوم به مقاتلو “داعش” الذين لا يوافقون على ضوابط الظواهري، وهو ما بدا جلياً في تفجيرات المساجد في صنعاء. وبالتالي ستكون فرصتهم أكبر في استغلال مناخ الفوضى المرشح إلى مزيد من التفاقم نتيجة “عاصفة الحزم”.

ويعزز من صحة ذلك، الاشتباكات العنيفة التي وقعت بين مقاتلي “داعش” من جهة وبين المقاتلين الحوثيين من جهة ثانية في محافظة لحج قبل يومين. وسقط جراءها “أمير داعش في لحج” عباس اللحجي والقائد العسكري جعفر اللحجي وقيادي آخر يدعى أبو عبد الرحمن. وبالرغم من الخسارة الكبيرة التي مني بها التنظيم نتيجة هذه الاشتباكات إلا أنها تؤكد جديته في القتال وسعيه إلى السيطرة على الأرض في بعض المناطق، ومن الطبيعي أن تتضاعف هذه الجدية في ظل التسهيلات التي ستؤمنها عمليات القصف السعودية لجهة إضعاف الحوثيين، وإجبارهم على الانسحاب من بعض المناطق بحيث تغدو لقمة سائغة أمام “داعش” المتأهب.

لذلك يبدو أن تنظيم “الدولة الإسلامية” سيكون من أكبر المستفيدين من عملية “عاصفة الحزم”، التي ربما يعقبها بالنسبة إليه ربيع لم يكن يحلم بمثله في اليمن.

(السفير)

آخر تحديث: 16 فبراير، 2017 3:22 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>