إسرائيل في مواجهة «الحرب العقلانية» لـ«حزب الله» ضدها

بدأ موقع «والا» الإخباري نشر سلسلة من المقالات، بقلم المراسل العسكري أمير بوحبوط، حول الخطر الذي يمثله «حزب الله» على إسرائيل في أي حرب مقبلة.

وأشارت أولى الحلقات إلى التقدير الذي يكنه الجيش الإسرائيلي لقدرة الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله على ضبط نفسه، كما بدا في تعامله مع استشهاد نجله هادي في أيلول العام 1997. لكن هذا التقدير لم يحل دون أن يغدو السيد حسن هدفاً مركزياً للاغتيال في حرب تموز العام 2006، وما حال دون ذلك هو عجز إسرائيل عن اختراق جدار السرية المحيط به.
وبعد النجاحات الإسرائيلية في الاغتيالات، من الشهيد عماد مغنية إلى ابنه جهاد، مروراً بشهداء آخرين، تعترف إسرائيل أن قوة «حزب الله» في تصاعد، وأن الجيش الإسرائيلي يتعامل معه على أنه الخطر الأكبر حالياً.
وقال ضابط رفيع المستوى في الاحتياط، تلقى في حينه معلومات جارية حول استشهاد هادي ابن السيد نصر الله، «قدَّرنا عالياً ضبط نصر الله لنفسه برغم خسارة ولده. واضح أنه يختزن داخله كراهية تجاه إسرائيل، لكنه لم ينجر خلف ألمه وبالتأكيد لم يظهره علناً. ولم يبذل نصر الله جهداً لاستعادة جثمان ابنه الذي أعيد في النهاية مقابل جثة مقاتل الشييطت 13 إيتمار إيليا. هذا سر التنظيم الديني المستند إلى أيديولوجيا متطرفة».
وحسب التقرير فإن نصر الله لم يغرق في المرارة، وأدار بعد استشهاد ابنه معركة عقلانية ضد إسرائيل. ويقول قائد الذراع البري الجنرال غاي تسور إنه أفلح في تحويل التنظيم إلى أحد أقوى المنظمات «الإرهابية» في العالم. ويصف ضباط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية نصر الله بأنه إنسان لامع ضليع، ليس في الإسلام والنظريات الأمنية، وإنما أيضاً في الاقتصاد والتجارة والأسواق العالمية، ما سمح له بتحريك أعمال عالمية لـ «حزب الله»، خصوصاً في أفريقيا وأميركا الجنوبية. وفضلا عن ذلك فإن نصر الله ضليع بأهواء الجمهور الإسرائيلي: حسب ضابط استخبارات كبير يتلقى نصر الله يومياً ترجمات الصحف العبرية، وتلخيصات عن سيرة شخصيات إسرائيلية يذكرها في خطاباته لجذب انتباه الإسرائيليين.
وفي حرب لبنان الثانية كان نصر الله هدفاً للاغتيال، إلا أن الاستخبارات الإسرائيلية لم تفلح في اختراق أسوار سرية «حزب الله» وتوفير معلومات نوعية حول مكان اختفائه. وقال العقيد رونين كوهين، الذي بحث أثر خطابية نصر الله على مجريات الحرب، إنه لو تحقق اغتياله لأنجزت أهداف الحرب في زمن أقصر. ويضيف كوهين أن الحساب مع الأمين العام لـ «حزب الله» طال، وبقي مفتوحاً.
ويشير التقرير إلى أن إسرائيل فهمت أن الردع مع «حزب الله» تطلب صيانة دورية، تمثلت في الأنباء حول اغتيال قادة في الحزب. ومثال على ذلك هو اغتيال الشهيد عماد مغنية في دمشق، الذي اعتقدت إسرائيل أنه سيقود إلى هدوء مديد، لكن «حزب الله» ظل يتعاظم. وقال ضابط كبير إن «حزب الله تنظيم قوي جداً من الناحية النفسية، ومبني بشكل حتى إذا اغتيل شخص بأهمية مغنية، يعرفون كيف يواصلون الطريق نحو هدفهم».
وبعد اغتيال مغنية الأب، تقاسمت صلاحياته وقوته ثلاث شخصيات مركزية: فؤاد شكر، مصطفى بدر الدين وطلال حمية. ويحاول هذا الثلاثي ملء الفراغ الذي تركه مغنية، ويتركز أساس جهودهم في خطوات دولية لتعزيز مكانة «حزب الله» مالياً، وبشرياً، وبوسائل القتال والبنى التحتية. وخلف هؤلاء كان يوجد أشخاص يُعتبرون من ذوي خبرة، بينهم حسن اللقيس، الذي اغتيل في كانون الأول العام 2013. وقد اعتُبر اغتيال اللقيس ضربة شديدة لـ «حزب الله» بعد اغتيال مغنية.
وبحسب التقرير فإن الجيش الإسرائيلي جعل الحرب في لبنان على رأس سلم أولوياته، وهو يتدرب ويتجهز لها، وعبرها ضد باقي المنظمات، ومنها «حماس» في غزة. وقد أزاح رئيس الاستخبارات السابق، قائد الجبهة الشمالية الحالي الجنرال أفيف كوخافي، من القاموس تصنيف «حزب الله» كتنظيم «إرهابي»، واعتبره «شبه جيش». وحسب كوخافي فإن الحزب يملك أكثر من 100 ألف صاروخ و «يهدد إسرائيل بصواريخ ذات رأس حربي بوزن نصف طن متفجرات، وبعضها برأس حربي وزنه 900 كيلوغرام متفجرات».
وبعد حرب لبنان الثانية انشغل «حزب الله» بسباق تسلح وجمع ذخائر وصواريخ، فضلا عن أسلحة متطورة بالنسبة لهم هي كسلاح «يوم القيامة». واستثمر الحزب في ترميم البنى التحتية ومنظومات القتال، وخصوصاً منظومات الأنفاق في 160 قرية تم تحويلها إلى منصات إطلاق للصواريخ. ويقول ضابط استخبارات إن «حزب الله» حرص على نشطائه، وعمق نظرية «جهاد البناء» وتعويض المتضررين من الضربات الإسرائيلية. وفي نظره «هكذا بنى الحزب الثقة، وأقنع مؤمنين آخرين بتحويل بيوتهم إلى مواقع عسكرية».
واهتم الحزب بتجنيد وتدريب الأفراد. وحسب التقديرات يملك الحزب حوالي 15 ألف مقاتل نظامي واحتياطي، من بينهم خمسة آلاف يقاتلون حالياً على الحدود وداخل سوريا. وركز الحزب على بناء عقيدة قتالية يمكن بواسطتها اقتحام منظومات الدفاع الإسرائيلية، البرية والبحرية والجوية والسيبرنتيكية. وساعد في ذلك خبراء إيرانيون، بقصد تقليص التفوق الجوي الإسرائيلي والمس بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، ومحاولات خلق البلبلة والفوضى في صفوف الإسرائيليين للتأثير على صناع القرار في إسرائيل. ونجح «حزب الله» في بناء منظومة اتصال لنقل الأوامر خاصة به يصعب اختراقها، ومنظومة جمع معلومات عن الرحلات الداخلية والخارجية ومسارات النقل المركزية.
ونجح «حزب الله» في جمع خبرة عملياتية جراء مشاركته في الحرب السورية إلى جانب الجيش السوري. وأثبت هناك قدرته على التحرك كقوة شبه جيش، تستخدم الدبابات والمدرعات، وتفعيل قوات بحجم كتائب. لكن هذه التجربة لها جانبها السلبي، خصوصاً لجهة التآكل: وقد فقد هناك المئات من مقاتليه وجرح المئات. كما أنهك هذا جبهته اللوجستية، خصوصاً «لواء حيدر» في البقاع، المنقسم بين محاولته خدمة القتال في سوريا واستعداده الدائم للقتال المستقبلي ضد إسرائيل.
وتقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن «حزب الله» يخفي حالياً حوالي 700 صاروخ بعيد المدى، و5500 صاروخ متوسط المدى، و100 ألف صاروخ قصير المدى. وبحسب التقرير فإن الحزب أعاد تنظيم نفسه استخبارياً بعد حرب العام 2006، وهو يستخدم حاليا تقنيات رصد للإشارات الإسرائيلية. ولا يستبعد التقرير استخدام «حزب الله» لعملاء داخل إسرائيل، في الوقت الذي يستثمر فيه جهوداً كبيرة للتصدي للتجسس الإسرائيلي، عبر امتلاك أجهزة متطورة، روسية وصينية. وعبر هذه الأجهزة أفلح «حزب الله» في اكتشاف عملاء يعملون في لبنان لمصلحة «الوحدة 504» التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية. وقاد اكتشاف هؤلاء إلى هزة في صفوف الوحدة وإلى تحقيقات وتغيير قيادات.

(السفير)

آخر تحديث: 24 مارس، 2015 8:34 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>