الطائفية والربيع اللبناني

الحديث عن الطائفيّة في لبنان، كما في بلاد العرب والمُسلمين، هو أيضاً حديث عن الدولة التي لم تأتِ إلاّ ناقصة، وتمّ تفريغها من كلّ معانيها ووظائفها لصالح السلطة بمعناها الانفصاليّ والإلغائي، ولصالح السلاطين الذين لم يجدوا حرجاً في اتخاذ المال العام منهبة، والوطن مزرعة، والمواطنين خدماً، حتى عزّت الحرية حيث عزّ الخبز، أو عزّ الخبر حيث عزّت الحريّة.

وآتانا مرّة بعد مرّة، خصوصاً منذ أوائل الخمسينات، مَن قال إنّه سوف ينتصر لنا وينصرنا عبر التحديث والعروبة والوحدة والتحرير والتقدميّة والعدالة، ويُحقّق الحرية والديمقراطيّة والتنمية، ويحفظ التعدّد بالوحدة، ويحمي الوحدة بالتعدّد. ولكن ما لبث منسوب الحريّة أن تراجع، بعد الانقلابات الحمراء والبيضاء، إلى حافة العدم، وغاب القانون وأُسقطت الحقوق، وأصبحت الإمكانات الاقتصاديّة، بسبب التبديد والفساد والجهل والاستبداد وسوء الإدارة، فقرً مدقعاً ومجاعات دورية تسبق الحروب وتلحق بها، في حركة جدليّة جعلت ثنائيّة الحرب والفقر ثنائيّة موت ماديّة ومعنويّة.
كما أتانا أخيراً، وعلى قاعدة أن السلف القوميّ والوطنيّ والأمميّ قد أفلس، مَن يريد إحالة المستقبل المُركّب إلى الماضي الدينيّ، لا لشيء، إلاّ لأنّه ماضي أيامنا البائسة. فضرب المُتغيّر بالثابت وضرب الثابت بالمُتغيّر. فصارت المعاصرة شكلاً فارغاً، وصارت الأصالة مضموناً جامداً، وأصبحنا أمام خطب دينيّ سياسيّ يعدنا بمعالجة مرض الاستبداد العلمانيّ بواسطة الديمقراطيّة، ريثما يتمكن من وضعه ليعالج مرض الديمقراطيّة بواسطة الاستبداد الدينيّ الذي هو سيّد الاستبدادات كلها، كما أراد أن يعالج فقر المحرومين بالتقشف وبالحرمان والهجرة والموت، في مقابل تبذير الحاكم ورفاهه وسفره مع شركائه وأقربائه، وأن يعالج اختلافنا عبر المفاهيم العقديّة والمذهبية والفقهيّة والاثنيّة والسياسية والفنية والأدبية والفكرية، فيما التكفير جاهز من دون داع للمراجعة والنقد العلميّ.
ونتحدث عن الطائفية في الوقت الذي سبقت فيه الشعوب العربية الشعب اللبنانيّ الذي كان واعداً بأن يصبح مضرب المثل في النهوض والتجديد، وهو يبقى واعداً. إن الصورة الآخذة في التشكّل على مدى العالم العربي من خلال الثورات لن تكون خالية من التعقيدات ومن احتمالات الانحراف والتحريف والمصادرة، كما يظهر من خلال وجود “شبيحة” في صفوف الثوار ومجموعات كثيرة تقلّد رجال الاستخبارات في تصرّفاتها غير القانونيّة وغير الثوريّة. ولكن ذلك يظهر أن هذه الشعوب قد كفّت عن الاستقالة من دورها لتأخذ التغيير على عاتقها،، بما يقتضيه من صبر وتضحية وجدل دافئ أو حار وسجال حول الأفضل. وهذا يعني أن أي انتكاسة أو انكسار في مسار إعادة بناء الدولة الوطنيّة العربية الحديثة سوف يبقى قابلاً للمعالجة، طالما أن التأسيس الجديد قد تمّ على أساس الحريّة. ولم يعد في إمكان أحد أن يقوّض الأساسات المُسلحة بالعلم الخالي من القيود، إلاّ القيود الذاتيّة الداخليّة للمعرفة.
إنّ الربيع اللبنانيّ الذي لم يعد مستبعداً قد يكون أشدّ حرارة من الصيف الصحراويّ، وأكثر تعرية من “خريف البطريرك”، وأقصد بـ”خريف البطريرك” رواية “ماركيز”، إلاّ إذا استبقت الطبقة السياسية الأمور وعجّلت في إقرار تسوية عميقة، تمهّد لإعادة إنجاز لبنان على ما هو مرتجى: التعدّد والوحدة، والمستقبل مع ذاكرة نقيّة، والحداثة الممتزجة بالعراقة، والتنمية بالمعرفة والشراكة.

(من كتاب على مسؤوليتي – صوت لبنان)

آخر تحديث: 13 أبريل، 2017 10:14 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>