طارق الملاح، شاب قرر أن يقاوم نظام الرعاية: أي جبر لضرري؟

طارق الملاح، الشاب الذي عاش اثني عشر عاماً في ميتم قبل أن يفر منه، قرر أن يروي قصة عذاب وألم وربما تأنيب الذات، لكونه ضحية اعتداء من قبل رفاق الدار. وهم، رغم أنهم يكبرون طارق سناً، فإنهم أيضاً أطفال وكانوا على الأرجح بدورهم ضحايا اعتداءات سابقة مماثلة. والوجع واحد متأتٍ عن فصلهم عن رعاية أهلهم البيولوجيين والسكن في دار ليس اليتم فيها الأكثر إيلاماً. وطارق الذي كتم سره وواجه نظرات المحيطين به، كان يشعر بأنه مهما فعل لن يتمكن من تخطي ذلك الشعور بالقهر المخيف، أن تكون طفلاً أعزل وأن يُعتدى عليك، وأن لا تجد من يستمع إليك، ولا من يمسح دموع الوجع والخوف والذل، ولا من ينصفك. المفكرة تنشر هنا شهادة طارق التي وثقتها المختصة في قضايا الرعاية البديلة زينة علوش.

دخل طارق إلى دار الأيتام الإسلامية عام 1996 وهو في الثانية من عمره. اعتاد والده الاعتداء على والدته بالضرب. حصل الطلاق. أودع الوالد في السجن إنفاذاً لأحكام سجن طويلة الأمد. أرادت الأم الزواج مجدداً، فأُخذ طارق وأخته التي تكبره بـ6 سنوات إلى دار الأيتام الإسلامية لإيداعهما هناك. هي قصة تقليدية نمطية للكثير من حالات الإيداع في دار رعاية.

حينها لم تقبل الدار برعاية الطفلة، أخت طارق، وعمرها 8 سنوات، بحجة أنها كبيرة. تذهب الطفلة للسكن في بيت جدها وجدتها لأمها وينقطع الرابط العائلي بينها وبين طارق نتيجة هذا الفصل.

لا يذكر طارق أنه كان يزور جدته وجده وأخته، وذلك لأن العائلة تسكن في الضاحية الجنوبية لبيروت وهم فقراء لا يملكون القدرة على التنقل بسهولة، وهكذا مرت السنون وطارق وحيد في دار الرعاية.

 يُتِّم طارق

في الدار، تنقل طارق في أقسامه كالآتي:

-من عمر 2 إلى 5 سنوات في قسم الحضانة،

– من عمر 6 إلى 8 سنوات في قسم الأخوة،

– من عمر 8 إلى 9 سنوات في قسم الطفولة.

هناك تقوم 4 مشرفات بتوفير “الرعاية” لكل 100 طفل.

كل شيء كان يسير بهدوء في تلك الأقسام، ورغم إحساس طارق بمرارة اليتم، كون العديد من أقرانه يذهبون خلال الإجازات لزيارة أهاليهم ويعودون محملين بالشوكولا والبسكويت وبعض المال. إلا أنه تمكن من إيجاد توازن ما في طفولته. كان خجولاً، منطوياً على نفسه وكان يُرغم على المشاركة في النشاطات التي تقوم بها دار الأيتام بغية جمع الأموال كالعروض المسرحية ومسيرة رمضان. يحكي طارق عن جوع مزمن ينتابه حيث الأكل لم يكن متاحاً إلا ثلاث مرات: في الصباح، وبعد المدرسة، وقبل النوم في المطعم، وفق نظام شبيه بنظام السجون. كان الأطفال يصطفّون في طابور طويل انتظاراً لدورهم، وهم يحملون صينية يسكب فيها الطباخ الطعام بقدر محدد. والفواكه لم تكن متوافرة سوى مرتين في الأسبوع حداً أقصى.

يذهب إلى المدرسة الرسمية في صفوف مخصصة لطلاب دار الأيتام الإسلامية دون مصروف جيب. لكن بعض الأصدقاء كانوا يتحننون عليه أحياناً. وغالباً ما كان صاحب الدكان يقدم له شيئاً من باب الشفقة، فطارق يتيم من دار الأيتام والصدقة عليه مستحبّة.

خلال هذه المراحل، شهد طارق على الكثير من حالات الضرب والتعنيف من قبل المشرفات. أكثر هذه الحالات العالقة في ذاكرته، الضرب بعصا المكنسة، يليه الحرمان من الأكل، وفي أحيان كثيرة حرمان الطفل من بعض السكاكر التي كانت تأتي للدار كتبرعات، وربما حرمان الطفل من ثياب جديدة في العيد. كل هذا كان سهلاً في حياة طارق وكان رغم كل شيء يجتهد في المدرسة لأنه كان يرى في التعلم خلاصاً.

عندما بلغ طارق 9 سنوات، انتقل إلى مرحلة السعادة. والسعادة هو مبنى ضخم يضم حوالي 400 طفل من عمر 9 سنوات إلى 14 سنة، إضافة إلى مجموعة من الأكبر سناً وهم في الأغلب من مجهولي النسب (يبقون أحياناً  حتى عمر الـ21 سنة).

في مبنى السعادة، كان الأطفال مقسمين على أربعة طوابق. كل مئة طفل في طابق والطابق فيه 6 غرف بالإضافة إلى غرفة مخصصة للمشرفات، وعددهن 4 لكل طابق أي لكل 100 طفل. والغرفة مؤلفة من أسرّة بطابقين ملاصقة بعضها لبعض، وكان سرير طارق، وهو الأصغر سناً في المجموعة، بعيداً عن الباب في عمق الغرفة. في هذا الطابق، اكتشف طارق وجهاً آخر للدار، كحالات الهروب المتكررة حيث كان الأطفال الأكبر سناً غالباً ما يتخطون السور أو يغافلون حارس الدار، ليخرجوا إلى الشوارع المحيطة ويعودون محملين بالممنوعات كالسجائر والمشروب وخاصة المجلات والأفلام الإباحية. وكان عقاب من يُكشف أمره، ضرباً مبرحاً بالعصا عينها أو حرماناً من الطعام، وفي بعض الأحيان سجنه في مكان معزول.

كانت هذه أيام طارق الأولى واكتشافاته في قسم السعادة إلى أن أظلم عليه الليل في ذلك اليوم، ليستفيق على أحدهم وهو مطبق بيده على فمه، وآخر يجرده من ثيابه، وثالث يراقب الباب. يروي طارق أحداث تلك الليلة بألم كبير يشبه ألم الاغتصاب الأول. تناوبوا عليه في تلك الليلة وهو كان يتوسلهم بأن يتوقفوا… هددوه بعدم إفشاء السر… وذهبوا إلى أسرّتهم وناموا.

استفاق طارق على ألم مريع ومشية متهادية ودماء على سريره… ذهب إلى الحمام، اغتسل، وركب الباص إلى المدرسة. لم يتمكن طارق من التحدث بالموضوع مع أي كان. كتم سره، ولكنه بدأ يتراجع في الدراسة، ويزداد انطواءً على نفسه، وانقطعت شهيته على الأكل. وكان نادراً ما يستسلم لتعب النوم خوفاً من غزوة الأقران. ارتاح طارق شهراً أو أكثر، ثم تكررت حالة الاغتصاب بمعدل مرتين في الأسبوع من أقران الطابق وهم في عمر 14 سنة. بدا طارق من بعده وكأنه قرر أن يختار الشريك طوعاً عوضاً عن مفاجأة الاغتصاب. يقول طارق إنه حاول مرة أن يتعرض لطفل أصغر منه لكنه لم يتمكن من ذلك…

5

سنوات من الاغتصاب وممارسة العلاقات الجنسية في “السعادة” دون أن يتنبه أحد، وخاصة دون أن يتمكن طارق من البوح لأي كان بما يحصل… سنوات خمس انتقل فيها طارق من دور الضحية إلى دور الشريك. 5 سنوات شهد طارق على أطفال تستفيق على يد تطبق على فمهم، ويد تعريهم، وألم، ودماء تسيل، وتكتم…

في 2008، بلغ طارق 14 سنة ولم يعد يطيق حالة الصمت والخوف والاختناق، وهو وحيد رغم ارتباطه المستجد بعصابة الطابق. كان شيئاً يطبق على نفسه، هو الذي لم يتمكن من إتمام دراسته المتوسطة. قرّر الهرب، فزوّر توقيعاً لخروجه وعبر بوابة الدار ولم يعد. سأل عن بيت جده وجدته وعاد إليهما. كانت أخته قد تزوجت في عمر مبكر، وانقطعت العلاقة معها.

لم يخبر طارق جده وجدته بما حصل معه في الدار ولم تقم الدار أصلاً بالسؤال عنه… هكذا خرج… شاب في عمر الـ 14 سنة دون تعليم، ولا مال، وضحية لاغتصابات مثلية قلبت عنده المعايير. بحث عن أمه ولم يجد من يخبر عنها… ووالده ربما ما زال في السجن…

أمضى طارق 3 سنوات في الحارة يلعب مع الشباب بالكرة إلى أن أخبر قصته لأحدهم الذي اقترح عليه الظهور في برنامج يقدمه مالك مكتبي “أحمر بالخط العريض” على شاشة LBCاللبنانية. وهناك، روى طارق قصته وهو مقنع. ولم يرفع قناعه بحسب سيناريو متفق عليه مسبقاً مع المقدم. وفي السنة نفسها، أي في 2011، شارك طارق مع مقدم آخر جو معلوف في برنامج “أنت حر” على MTVاللبنانية… هذه المرة، ظهر طارق من دون قناع …

ضاقت الدنيا أمام طارق، فقرر الذهاب إلى الدار حيث قابل المدير وأخبره بمعاناته فيه، وطالب بمساعدته على إيجاد عمل. اقترح المدير عليه أن يزور المساعدة الاجتماعية بانتظام لحين إيجاد عمل مناسب له. عمل لفترة في معمل شوكولا في الشويفات إلا أن طارق قرر الرحيل بعدما اكتشف أن الدار قد أخبرت مدير المعمل بكل شيء عنه. أحس بالضعف وبأنه مكشوف… وبعدها عمل في قهوة لكنه توقف لأنهم لم يدفعوا له راتبه.

واظب طارق على رؤية المساعدة الاجتماعية. وذات يوم، وفيما كان يهم بالخروج من الدار، التقى بإحدى المشرفات القدامى التي أكدت له أن الأطفال في الدار ما زالوا يتعرضون لنفس حالات الاغتصاب والضرب… لم يتحمل طارق الخبر فثار وغضب، فطلب مدير الدار منه رؤية الاختصاصية النفسية التابعة للدار التي انصبّ اهتمامها على دعوة طارق لنسيان الماضي… لكن طارق شعر وكأن سيرته يعيشها طفل آخر الآن… فقرر أن يظهر مع جو معلوف مجدداً أكثر من مرة في برنامج آخر على شاشة LBCهو “حكي جالس”. توالت الاتصالات التي أكدت تعرض العديد من الأطفال للاغتصاب…

هذا الظهور استدعى بياناً مكتوباً من دار الأيتام أقرت فيه الإدارة بالتجاوزات وقالت إنها قدمت لطارق المعونة الملائمة. كما أنها أمّنت له عملاً غير ثابت في مكان يخص أحد أعضاء مجلس الأمناء… هذا العمل الذي طُرد منه طارق بعد 8 أشهر دون أي مستحقات سوى مبلغ 1000 دولار وترهيب لكي يوقع على ورقة استقالته….

يداري طارق إحساسه بالقهر والعنف عبر “النصرة” لإخوانه في الدار. هي أخوة لا يعرف معناها الحقيقي إلا من عايش عن قرب معنى أن تكون يتيماً في دار “فاعلي الخير”. هناك لا حقوق ولا خصوصية ولا فردية. هناك على الطفل أن يشكر ربه كل يوم أن أحدهم فكر فيه بعدما “مات” أهله أو ربما “تخلوا عنه” أو ربما “وجد مرمياً على حافة الطريق”  أو ربما “أساؤوا له”، أو ربما وبكل بساطة “أرادوا أن يؤمنوا له لقمة وتعليماً”، وهم فقراء عاجزون عن ذلك.

(المفكرة القانونية)

 

 

 

 

آخر تحديث: 12 مارس، 2015 7:12 ص

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>