نريد نقداً بالجملة والمفرّق

صديقُك من صَدَقك، لا من صدّقَك، ومَن أشار على أخيه برأي يعلم أن الرشد في غيره، فقد خانه.

ومرّة خرج عليّ من موقعه “حرب” مُنتصراً، فتصدّى له أحدهم بالمديح وأطنب، فأجابه عليّ: “أنا فوق ما في نفسك، ودون ما قلت”.
أما أنا فأقول: “بئس الجماعة أو الحزب أو السلطة أو الحكومة أو الجمعية أو النقابة أو الأسرة أو المدينة أو القرية أو العمارة التي لا تستدرج نقّادها ليعرضوا نقدهم عليها ومن أجلها، حتى لا يتحوّل هذا النقد إلى كيد، إن بقي مكبوتاً ولا ينفجر في الناقد والمنقود معاً”.
أقول من موقعي كمواطن لا يستقلّ من جماعة رغبة منه في أن يكون مقبولاً في الجماعة الأخرى، ومن موقعي كمواطن مُصرّ على المواطنة رغم كل صعوباتها وعوائقها، لأنها الخيار الحضاري والأخلاقي الوحيد في كل بلد، وخاصة في لبنان، بأني في نقطة المواطنة يفترض أن أرى الجماعة الأخرى شرطاً لجماعتي، وأدّعي أن كل الحروب في لبنان قد أثبتت أن كل جماعة هي شرط للجماعة الأخرى، أيا كانت صفة هذه الجماعة الدينية أو السياسية. وقولوا لي: “أي حزب في لبنان لم تُصبه عملية التفتيت؟ وأي طائفة في لبنان لم تنقسم وتحترب في ما بينها”؟
والوحدة في الطائفة أو المذهب أو الحزب مهما تكن قوية، فلن تكون مضمونة دائماً، ولنذكر معاً ما حصل لكل الوحدات اللبنانية وغيرها. ومن هنا أقول لزعماء الطوائف: “أطلقوا سراح أهل النقد من طوائفكم، لا تُخيفوهم ليُخفوا نقدهم، وهم أحياناً أقدر منكم على قراءة واقعكم وواقع الآخرين الذي ترونه كما تحبّون وتكرهون. وهذا المسلك جربتموه سابقاً وخسرتم وخسر لبنان”.
أريد نقداً مارونيّاً للموارنة أي للسياسة المارونية على اختلافها، ونقداً سنيّاً للسُنّة، أو السياسات السنية على اختلافها، وكذلك للدروز وبالجملة والمفرّق، على ألاّ يُفهم مني أنني أدعو إلى بازار مزايدات أو “هايد بارك” كلام للكلام الذي إذا ما تراكَم بعشوائية تحوّل إلى دماء تسيل بيننا.
نريد نقداً مُحبّاً شفافاً وعميقاً، من القلب والذاكرة والرؤية، نريده الآن على عجل، حتى لا يتحول تقديس الذات وأبلسه الآخر إلى تفتيت للبنان بما فيه، ومَن فيه جميعاً.
نريد وقفاً للنار في الداخل من خلال الشراكة في الرؤية والقراءة، وتجنباً لتحوّل نار المواقف الحامية والقاطعة والمقطوعة، إلى نار حارقة تأكل الأخضر واليابس.

(من كتاب على مسؤولتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 11 مارس، 2015 2:49 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>