صفحات من تاريخ بلدة الطيبة الجنوبيّة

كان أهالي الطيبة في السابق يعيشون في منطقة سميت فيما بعد الخربة، وقد تركوها بعد أن ضربها زلزال أدى إلى تدميرها وردم بيوتها، فانتقل الأهالي إلى مكان الطيبة الحالي وأصبحت الخربة ضمن ملكية البلدة.

تحوي الطيبة في خراجها آثار القرية القديمة حتى أن أبنائها أصبحوا يأخذون الحجارة القديمة لبناء بيوتهم الجديدة. ظهر في البلدة آل الأسعد الذين ينتمون إلى أسرة الصغير نسبة إلى الأمير محمد بن هزاع وربما يعود سبب مجيئهم إلى المعركة التي هزم فيها النّصار، ففر عدد من أبناء علي الصغير إلى أماكن شتى، وكانت الطيبة من نصيب خليل الأسعد الذي إحتمى عند عمدة البلدة آنذاك الحاج موسى شرف الدين فصاهره وزوّجه أخته وأسكنه في دار مؤلفة من غرفتين يعيش فيهما.

وفي هذه الفترة عمل الأسعد على تجديد علاقته بوجهاء الجولان وحوران وعلى تجميع العائلة المشتتة لإستعادة نشاطها بهدوء تام واتصل وأقرباءه بالتركي الذي كان حاكماً في منطقة صور وخاضعاً لمنطقة عكار، ومرت الأيام وتوفي موسى شرف الدين وعين مكانه إبنه سليم عمدة على البلدة، واشتدت علاقة آل علي الصغير بقطاع الطرق الأعراب الذين يسمون “الحمدون” ويعيشون بين فلسطين وسوريا على أكتاف الفلاحين حيث كانوا يسرقون غلالهم ومزارعهم.

ووثق آل الأسعد علاقتهم بهم كثيراً واتفقوا على الإمساك بسليم شرف الدين وربطه وأخده إلى البلدة بأمر من آل الأسعد حيث تم قتله في باحة القصر، (وهذه الحادثة يعرفها معظم سكان البلدة).

وقد تزعم خليل مناصب عدة حينها كان من بينها أن أصبح متصرفاً على منطقة الزرقاء في الأردن، وبعد وفاته في العام 1900 تزعم إبنه كامل “الجد” خلافة البلاد في جبل عامل بعد أن أمضى حياته متنقلاً بين مصر وأوروبا حيث عُين وقتها عضواً في مجلس المبعوثين التركي، هذا وقد إنتخب أعضاؤه من مواطني الولايات الخاضعة للسلطنة العثمانية كافة ليشارك السلطان في شؤون الحكم والدولة، والمجلس عبارة عن مجلس تمثيلي أسسه السلطان عبد الحميد الثاني في 23 كانون أول (ديسمبر) 1876.

وفي 23\07\1908 عاد المجلس بعد أن حُل نظراً لما فيه من حركات إحتجاج ضد السلطان، وبدأت الإنتخابات لإختيار أعضائه من جبل عامل الذي يتبع ولاية بيروت ففاز في المرحلة الأولى شبيب الأسعد(35) صوتا وكامل الأسعد(31) صوتا مقابل (31) صوتا لرضا الصلح و23 صوتا لجان التويني و15 صوتا لسليمان البستاني، ويعتبر هذا المجلس برلماناً عثمانياً.

وبعد وفاة كامل حلّ مكانه أخوه عبد اللطيف لأن كامل لم ينجب صبياً، فورث عبد اللطيف القصر ثم زوج ابنه أحمد من إبنة عمه فاطمة(أم كامل). تفاقمت ممارسات الإقطاعيين بحق الأهالي، وككل البلدة عمل الإقطاع على سلبها أراضيها الزراعية خصوصا من خلال الإستثمار في المحصول، وبؤرة الإقطاع نابعة في الأصل من الطيبة ومن آل الأسعد بالتحديد والنتيجة كانت أنه تم بيع الأراضي وسلب الأرض الأخرى ضمن إتفاقية موثقة بعد ضغط على الأهالي بالوسائل المعروفة(التخويف والجبايات الباهضة..)، أما الأراضي التي تقع في خراج القرية، فقد قُسمت بين الأخوة الثلاثة: كامل وعبد اللطيف ومحمود الذي كان يملك قصرا في العديسة أيضاً وبالتحديد في منطقة الخربة التي كانت تقع عليها الطيبة في الأصل.

ويقال بأن محمود عندما إحتاج للمال رهن الأرض لتاجر يهودي لبناني من صيدا لمدة معينة لكن المدة إنتهت قبل التسديد فاستولى عليها اليهودي وتُقدر مساحتها بـ250 دونماً واليهودي الذي يملكها هو من آل النغري أو النكزي.

الجدير ذكره أن خلافات كثيرة حصلت بين أبناء البلدة وآل الأسعد لإضطهادهم لهم. وفي عام 1952 برزت خلافات أسعدية عائلية بين أحمد وأبناء عمه محمود حول التنافس على الزعامة أدت إلى سقوط قتلى من البلدة وعرف منهم أحمد دياب رمال، عبد كاظم وزوجة محمد خزعل، وأدى ذلك إلى إلتحاق أفراد البلدة بأحزاب محلية سياسية لمواجهة ممارسات أحمد الأسعد وإستطاعت المعارضة تشكيل مجموعة كبيرة مسلحة تمكنت من منع أحمد الأسعد من الدخول إلى القرية فترة من الزمن وفي عام 1958 عاد أحمد إلى بلدته مع مجموعات مسلحة تدعمه إلى حين وفاته عام 1961، وعيّن إبنه كامل حينها وزيراً للتربية إلى أن أصبح رئيساً لمجلس النواب وتحول إلى نائب سابق.

وكان ذلك نهاية للزعامة الأسعدية في جبل عامل إلا أن الشيء الذي لم يمح من ذاكرة الجنوبيين هو إقدام آل الأسعد على بيع الأراضي للعدو الصهيوني في مختلف البلدات والتي تقدر بمساحات شاسعة.

في عام 1978، أضحت الطيبة تحت الإحتلال الإسرائيلي أسوة بباقي البلدات والقرى في المنطقة المحتلة، وذلك عندما نفذ العدو عدواناً واسعاً في 13 آذار(مارس) 1978.

ومنذ ذلك الحين والبلدة تعاني من ظلم الإحتلال وجوره لجهة التعديات على الأهالي أو الإعتقالات وفرض الخوات وغيرها. وهي خبِرت ممارسات العدو كثيراً ولا سيما عندما أقدم في العام 1972على تدمير عدد من بيوتها ثم أعاد الكرة عام 1975 عندما إقتحم منزل علي شرف الدين ودمر منزله فوق رأسه ورأس عائلته حيثُ إستشهد الأب علي وولداه عبد الله وفلاح وجُرح نجلُه حسين، ولم يكتف العدو بذلك فقد أقدم على قتل محمود قعيق بعدما وجه طعنة حربة إلى عنقه. كما أنه أثناء الإجتياح الصهيوني عام 1978، إستشهد في القرية كل من نايفة محمد يحيى وحسن ديب حمود، وقد فجر العدو مشروع المياه لمرتين.

(نشر في المجلة في العام 1989)

 

آخر تحديث: 7 مارس، 2015 4:56 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>