نتنياهو جيد للجمهوريين

في الشريط الساخن الذي يلهب إسرائيل حالياً، تقول سارة نتنياهو لمحاورتها، مونيك بن ميلخ، وفق تقرير بن كسبيت في معاريف: «لو أن نتنياهو ولد في أميركا، لكان بسهولة رئيساً لها». وهي تبالغ، لكن قليلاً: زوجها فعلاً كان بيسر سيغدو المرشح الجمهوري للرئاسة. أما المنصب فكان سيصارع من أجله.

وتشخيص سارة من العام الفائت نال تأكيداً هذا الأسبوع من استطلاع أميركي أظهر أن نتنياهو نال تأييد 57 في المئة، أكثر من كل المتنافسين الجمهوريين للرئاسة عدا الرئيس السابق جورج بوش الذي نال 74 في المئة. ونتنياهو الذي سبق ونال لقب «السيناتور الجمهوري في إسرائيل»، توّجته صحف كثيرة كالمرشح الأبرز، بسخرية منتقديه وتعاطف مؤيديه.
إذ إنه عدا صدفة مكان ولادته –وربما زواجه المثلث- ربما أن نتنياهو مرشح جمهوري مثالي تقريباً: أبيض، حذق اللسان، مخضرم ومحافظ. وهو نصير الاقتصاد الرأسمالي الريغاني ومؤيد للسياسة الخارجية المحاربة لجورج بوش. وهو يؤمن بفرادة وتفوق أميركا، ويبدي مقاربة مرتابة ومتشدّدة تجاه الإيرانيين والفلسطينيين والمسلمين حيثما كانوا. وهو يصل للصراع ضد الدولة الإسلامية (داعش) مع لقبه السابق (السيد إرهاب). وخلافاً لجمهوريين آخرين، هو ليس بحاجة للتنافس وتحقير نفسه لكسب رضى شلدون أدلسون: هذه الزاوية محجوزة له حصراً.
ولكن ما يجعل نتنياهو بطل الجمهوريين المحبوب ليس سوى صدامه المتواصل مع الرئيس باراك أوباما، الكريه على قلوبهم. صحيح أن قادة كباراً في الحزب الجمهوري يلذعون أوباما، ويهينونه ويحاولون بكل قوتهم وضع العراقيل في طريقه، لكن أياً منهم لم يفلح في تحقير الرئيس أو إحراجه، والأهم إخراجه عن طوره، أكثر مما فعل نتنياهو ـ منذ بداية درب آلامهما المشترك قبل ستة أعوام. وبالتأكيد لم يفعل ذلك أي من قادة الكونغرس، أو الطامحين للتاج، من منصة الانطلاق وعلناً وأمام العالم، كما سيحدث يوم الثلاثاء المقبل: لا جون ماكين، ولا ميت رومني، لا جون باينر ولا ميتشيل ماكونل، لا تيد كروز ولا رد بول. فقط نتنياهو. ولدى معظم الناخبين الجمهوريين، خصوصاً النواة الصلبة، الحديث يدور عن مهرجان حقيقي. في نظرهم، أوباما ليس تماماً رئيساً شرعياً إنما ينبغي الحرص على كرامته، ففيه شيء آخر، مشبوه وظلامي. وتقريباً يؤمن 70 في المئة منهم أنه لا يحب أميركا، كما زعم هذا الأسبوع رود جولياني. 54 في المئة منهم مقتنعون أنه «في أعماق ذاته» هو فعلاً مسلم، كما أظهر استطلاع جديد آخر. وكراهيتهم لأوباما لم تخمد حتى بعد انتصاره الثاني والمقنع في الانتخابات، وربما العكس: إنها تتقد أبداً وتستدعي الثأر. نتنياهو، هذا الأسبوع في الكونغرس، هو فارسهم على حصان أبيض، يجسّد حلمهم في مواجهة الرئيس الأسود.
ولذلك، وبسبب فظاظة الفعل، تطرفه، وأحاديته، والعلم الواضح أن الحديث يدور عن مناورة لامعة من جانب جون باينر أطلقها نتنياهو أو تعاون معه بها، وفي الأساس جراء البريق في العينين والشماتة التي سيظهرها الجمهوريون في الأسبوع المقبل؛ لهذه الأسباب جميعاً شحبت وجوه الديموقراطيين، ووقعوا في ضائقة. وكما يبدو فإن أغلبيتهم ستحضر إلى الكابيتول لسماع نتنياهو، وربما أيضاً سيصفقون له. لكنهم سيفعلون ذلك مترددين. فهم يفهمون أنهم بفعل ذلك يشاركون في السخرية من أوباما، في الاستخفاف برغباته. وخطورة هذا المشهد السياسي لم يسبق لها مثيل.
ولهذا، من الجائز أن الأسوأ لا يزال أمامنا. والخطاب في الكونغرس، حتى إذا كان أحد الأشد بريقاً وإقناعاً بين خطابات رئيس الحكومة، سيكون حادثاً مؤلماً وخانقاً. وهو سيلهب حماس الجمهوريين وكارهي أوباما. لكنه سيثير شهوراً بالضجر لدى الكثير من الديموقراطيين، وفي الأساس لدى المشرعين اليهود في الكونغرس وناخبي الحزب اليهود، هؤلاء الذين منحوا الرئيس الأغلبية الساحقة مرتين. ورغم الشكوك لدى الكثيرين منهم بشأن علاقته بإسرائيل، وبتناقض تام مع التفضيلات الواضحة التي لم يُخفها نتنياهو.
وبطن اليهود سيتقلّب في ضوء احتفالات خصومهم السياسيين والأيديولوجيين. فيهود الولايات المتحدة هم الجماعة الأكثر ليبرالية في القوة الأعظم وهم من طلائع المؤيدين لتلك القيم التي تعتبر مشينة في نظر جمهوريين كثر: حقوق السود والعفو عن المهاجرين والمساواة للنساء، وفصل الدين عن الدولة، وحق الإجهاض وزواج المثليين. وربما أن اليهود في إسرائيل يفضلون الوقوف إلى جانب أميركا البيضاء، لكن إخوتهم في الولايات المتحدة، على الأقل في تصويتهم، يتماثلون مع الأقليات. وبداهة ليس صدفة أنه بين 30 نائباً يهودياً في الكونغرس الجديد، واحد مستقل، وواحد جمهوري، و28 ديموقراطياً. وبفضلهم، بفضل المتبرعين، بفضل النشطاء اليهود الكثر على طول وعرض الحزب وبفضل 70-90 في المئة من الناخبين المؤيدين للديموقراطيين في القرن الأخير، بقي الدعم من الحزبين لإسرائيل. صحيح أن هناك قيماً مشتركة ومصالح استراتيجية، لكن اليهود الديموقراطيين هؤلاء هم من حال دون حزبهم والسير على خطى أحزاب اجتماعية – ديموقراطية أخرى في العالم. وهذه مهمة ليست سهلة، ربما تغدو الآن مستحيلة.
والآن تقريباً تحطم تابو شدة تصريحات مسؤولي الإدارة تجاه نتنياهو ومرارة الانتقادات له في الكونغرس: أمور لم يتجرأ أحد على قولها قبل شهر أو شهرين تغدو روتينية في الأيام الأخيرة، سواء علناً أو بشكل أشد في الغرف المغلقة. وهم يعرضون للخطر استمرار الاحتلاف المتجانس الذي يسمح لليهود الليبراليين بالتعايش السلمي مع التناقض الجوهري ظاهرياً بين قيمهم الداخلية وتأييدهم لإسرائيل. وخطوات نتنياهو تدفع الكثير من الديموقراطيين للإحساس بأن إسرائيل وزعامتها تقفان حالياً في الجهة الثانية من المتراس: عندما سيصفقون لنتنياهو في إيباك والكونغرس سيشعرون أنهم يخونون ليس فقط أوباما وحزبهم، وإنما أنفسهم أيضاً.
ويعتقد معظم المراقبين أنه لن يكون للخطاب أي تأثير على مصير الاتفاق النووي مع إيران. وإن كان تأثير فهو لمصلحة الاتفاق. وأيضاً ليس مضموناً أنه سيدفع الناخبين الإسرائيليين بعد أسبوعين ونصف، في هذا الاتجاه أو ذاك. وأبعاد الخطاب على مكانة إسرائيل في الكونغرس، على الرأي العام وفي صفوف يهود أميركا، سيكون بالوسع قياسها بعد حين. ولكن يمكن من الآن تقرير أن الحديث يدور عن صدمة قاسية وجرح يصعب أن يلتئم، خصوصاً إن كان نتنياهو هو مَن سيعالجه.

(هآرتس)

 

آخر تحديث: 27 فبراير، 2017 1:14 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>