حملة حققت العكس

الحرب الأميركية على العراق حققت إسقاط حكم صدام حسين واعتقلت رجاله لكن أميركا أفاقت بعدها على احتلال طويل وعلى فوضى شرق أوسطية لا تزال مستمرة. وهذا سبب تلويح جون كيري بالورقة العراقية في صدامه مع نتنياهو. وبات واضحاً أن نتنياهو خسر معركة الإقناع بأن صدامه مع الأميركيين جوهري ووجودي وليس شخصياً أو حزبياً. لقد فشل والأمر لا يتعلق فقط به. الأدارة الأميركية قامت وتواصل القيام بكل ما من شأنه تحويل المواجهة إلى شخصية.

وأميركا وصلت الدرك الأسفل في الشأن العراقي. وها هم وجدوا المسؤول عن المعركة الفاشلة والدموية التي يندم كل أميركي فيها على غطرسة جورج بوش وديك تشيني. ووجّه كيري أنظار الأميركيين لشهادة نتنياهو في الكونغرس العام 2002. ليست خطاباً وإنما شهادة مواطن قلق قدم الدعم لخطوات الإدارة الأميركية. نعم، مثلما فعلت حينها «نيويورك تايمز» التي ظنت أنه يحــسن العمل ضد الديكتاتور العراقي.
وبعد اتهام كيري لنتنياهو، صار ينقص اتهامه بأزمة الضمانات العقارية التي دمّرت قطاع العقارات الأميركي. وهذا الاسبوع انتقل رجال الإدارة من الحراسة الإقليمية إلى الحراسة الشخصية. والمسألة لم تعد رسائل وهجمات بواسطة وسطاء، وأعضاء كونغرس، معلقين وصحافيين، وإنما صارت شخصية مباشرة وحاسمة. وقال كيري في شهادة أمام مجلس الشيوخ إن من ينتقدون الاتفاق مع إيران ليس بالضرورة يعرفون التفاصيل. وتحدثت سوزان رايس مستشارة الأمن القومي عن «الضرر المدمّر لنسيج العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة». وتقديرنا أن الأمر سيستمرّ ويتفاقم، كثمن أميركي لخطوات نتنياهو.
والضرّر على رئيس الحكومة ثقيل، لكن لا يمكن قياسه حالياً. فهو في مسار تصادمي شخصي مع أقوى زعيم في العالم، حول أمر فائق الحساسية لمواطني إسرائيل: الشراكة مع الولايات المتحدة. ولكن لأسف الأميركيين هذا يمنح نتنياهو مزايا أيضاً. فتشديد الخلاف الشخصي يخلق انتظاراً للخطاب، ومن أراد تهميش رسالة رئيس الحكومة فعل العكس تماماً. فبقدر ما يهــــــاجمونه بقدر ما يثــيرون فضولاً أميركياً وعالمياً نحو رسالة نتنياهو.
وقد جرّ نتنياهو الأميركيين للمعركة الانتخابية في إسرائيل. وانتصاره هو انتصار على أوباما. وهذا صراع بين باراك (حسين) أوباما الراغب في التصالح مع الإيرانيين وبنيامين نتنياهو المدافع عن الأمة اليهودية في مواجهة قوى الظلام والسواد. والمسألة هنا هي بين زعيم وزعيم. والباقون مجرد لاعبين ثانويين في المواجهة التلفزيونية على مناصب الحكومة المقبلة.
وهذا يقودنا للميزة الأكبر لنتنياهو في المواجهة مع الأميركيين: هو في صلب القضايا وحوله تدور الأحاديث.
إن السبب الجوهري لعدم تراجع نتنياهو عن الخطاب هي فلسفته الأساسية. نتنياهو فعلاً محافظ. وهو دوماً يتطلع للاحتمالات الأسوأ وليس للآمال وخطط حلّ مشاكل العالم. والخط الموجّه له هو أن الصدام مع الإدارة إشكالي وضار، لكن الأمر قد يكون أسوأ. فإذا أبرم اتفاق مع إيران، فستجد إسرائيل نفسها في الميدان بين الجمهوريين والديموقراطيين. وإذا أبرمت أميركا اتفاقاً مع إيران فلن يعود بوسع إسرائيل فعل شيء. الجمهوريون سيعارضون بشدة وسيركزون انتقاداتهم في حملة العام 2016، والديموقراطيون سيدافعون عن الرئيس. وإذا أيد الرئيس المقبل الاتفاق، حتى مع تعديلات، فستجد إسرائيل نفسها في خط الدفاع الأول للمجموعة الجمهورية، وكل قول إسرائيلي سيفسر كدعم للمرشح الجمهوري.
وكل ذلك بافتراض إعادة انتخاب نتنياهو. والحقيقة البسيطة هي أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية ستبقى راسخة. المشكلة هي بين نتنياهو والإدارة. والعلاقات ستصلح تواً إذا لم يُعَد انتخاب نتنياهو.
ويمكن لنتنياهو ممارسة لعبة سياسية هائلة، لو لم يكن متورطاً في التصريحات. بوسعه الإعلان عن تأجيل خطابه لـ 18 آذار، بعد يوم من الانتخابات. فهو بغضّ النظر عن كل نتيجة يبقى رئيساً للحكومة. حينها ينظف نفسه من الدوافع الحزبية ويحشد خلفه قادة الأحزاب في وفد خاص لخطاب سياسي.
رجاله يقولون إن هذا خطير جداً جراء تقارب الموعد مع وقت إبرام الاتفاق مع إيران في 24 آذار. كذلك فإنه جازف عندما أجّل الخطاب من شباط إلى يوم الثلاثاء المقبل. معارضو نتنياهو يقولون إنه عاجز عن فعل ذلك، لأنه ملتزم أمام شلدون أدلسون ورفاقه الجمهوريين، الذين اشتروا التذاكر لمعركة دموية لا يريدون تفويتها.
هذا يقودنا لليوم التالي للانتخابات. من دون صلة بالنتيجة، واضح أن الحكومة المقبلة ولدت عاجزة. الأرقام لا تجتمع. فهي إنها حكومة ضيقة أو حكومة في ضائقة، والمعركة الانتخابية المقبلة مسألة عام أو عامين.
(معاريف)

 

آخر تحديث: 2 مارس، 2015 9:40 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>