الحوار

لقد انقطعت عن الحوار زمناً، من دون أن يداخلني اليأس في جدواه، وإنما على شيء من القلق، فأدخلتني القطيعة النسبية كهوفاً لا يفضي الواحد منها إلا إلى آخر أشد ضيقاً ووعورة ووحشة وظلامة. وعندما أدركت أني في جهالة مُركّبة، عدت إلى ذاتي لأجد الآخرين في انتظاري ليضيئوا عتمتي، وشرعتُ في تنقية لغتي من إيقاعات ومفردات تشبه البثور التي يتركها وباء الجدري على وجه من يُبتلى به، وكأني نجوْت. وهنا أنا أقيم على الحذر والحيطة، ومداواة الأعطاب بمزيد من الحوار والابتعاد عن أماكن العدوى. وألاحظ أن علامات العافية تزداد وضوحاً كلما ازداد الآخر في إيماني ووعيي حضوراً، حتى لا يبدو لي أني مع الآخر المختلف أدخل في حقل معرفي واسع، تبدأ منه وتنتهي إليه كل المعارف.

فالحوار معرفة ممتازة من دونها تصبح المعارف أقل نماء وجدوى. من كانت له إرادة ورغبة شروط الحياة وحركتها وحيوتها وتجددها وديمومتها، ومع النظام الكوني وإرادة ناظمه ومدبره الخالق العظيم الذي ارتقت نصوص وحيه بالاختلاف إلى مستوى الدلالة على الحكمة والعظمة، ومن آياته “خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين”.
إن الانقطاع ينتج عن نقص نوعي في المعرفة، والتواصل يأتي من المعرفة، التي تشكل مدخلاً جديداً إلى معرفة جديدة. من هنا كان انهماك كبار علمائنا بالحوار في محطات السلم ومواسم الحرب، طلباً للمعرفة، ليقيموا عليه الاجتماع الوطني السويّ، وكانوا على عقيدة راسخة لديهم بأنه من دون حوار يصبح كل من الدين والوطن الواحد والمذهب الواحد والبيت الواحد اثنين أو أكثر، وماذا يعاني الفصامي غير انقطاع الحوار مع ذاته ومحيطه؟ بالحوار يقترن التنوع بوعي ملائم. وفي لسان فلاسفتنا أن الكثرة قائمة في عين الوحدة، كما أن الوحدة قائمة في عين الكثرة. ولولا أن الحوار نظام كون وطبيعة وحياة واجتماع، ما كان لهذه المقولة أن تكون بهذا المستوى من الدقة والعدل والجمال.

(من كتاب: على مسؤوليتي – صوت لبنان)

آخر تحديث: 2 مارس، 2015 6:41 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>