عقدة المعارك الثلاث في الشمال

ليس هذا تماماً الشرق الأوسط الجديد الذي حلم به شمعون بيريز، لكنه الواقع الجديد الذي يتبلور. وتصعب متابعة مجريات الأحداث على حدود إسرائيل حينما يكرس الإعلام اهتمامه بقضايا مصيرية، مثل أشرطة الانتخابات والنفقات المفرطة لعائلة نتنياهو. ولكن ثمة عواقب للتغييرات الإقليمية على وضع إسرائيل الأمني. ولا زال الجيش الإسرائيلي هو الأقوى في المنطقة، كما قال رئيس الأركان المنصرف بني غانتس في حفل وداعه، لكن يبدو أن الجيش صار أقل ثقة بتفوقه، خصوصاً في قدرته على ترجمة ذلك إلى نصر حاسم في الحرب.

والتغيير الأشد جوهرية، في مطلع العام الخامس للهزة التي مست العالم العربي، يجري في الجبهة الشمالية. فعلى حدود إسرائيل مع سوريا ولبنان تتقاطع حالياً ثلاث صيرورات: خلافاً لمعظم التقديرات، نجاح مساعي نظام الأسد في البقاء، تطور نظرية متعددة القطاعات في الصراع ضد إسرائيل والصعود الواضح في التدخل العسكري الإيراني في المنطقة، خصوصاً في معارك قرب الحدود مع إسرائيل.
ويبدو الرئيس السوري، بشار الأسد حالياً كالفائز الأكبر في صراع البقاء الإقليمي. وفي مطلع الشهر تمت دعوة المعلق المخضرم لشؤون الشرق الأوسط في شبكة BBC، جيرمي بيفن لإجراء مقابلة نادرة مع الرئيس الملتصق بكرسيه. ويقدر بيفن أن الأسد استجاب لطلبه بعد شهور من الرفض لأنه أكثر ثقة حالياً باستقرار حكمه. وهذا بدا غير معقول قبل عام، لكن المستبدّ السوري المسؤول عن قتل عشرات الألوف من أبناء شعبه في الحرب الأهلية، بدأ يودع مكانة المنبوذ في الأسرة الدولية.
وفي الشهور الأخيرة كبحت الولايات المتحدة خطابها ضد الرئيس السوري، رغم مواصلة النظام استخدام تكتيكات قتال فتاكة ضد منظمات المعارضة والمدنيين في مناطق سيطرتها. وهذا يقود نسبياً إلى ازدهار منظمات المعارضة المتطرفة، داعش وجبهة النصرة. ولكن لأن الأميركيين يركزون ضدهم هجماتهم الجوية، الأسد هو الرابح. يتضح أحياناً أن فعل الأشرار يتم أيضاً بأيدي آخرين.
إن استقرار جهود النظام الدفاعية سمحت للأسد بالخروج قبل أسبوعين للهجوم في جنوب سوريا. هناك احتلت قواته قرى عدة تقع شرق منطقة الحدود الإسرائيلية في الجولان. ويشارك في الهجوم، إلى جانب آلاف الجنود السوريين، حوالي 2000 من مقاتلي حزب الله إلى جانب ضباط من فيلق القدس في الحرس الثوري.
وقد أعدّ الهجوم في الجنوب لإبعاد خطر المتمردين عن دمشق، وأيضاً لكبح ما يراه الأسد وشركاؤه كخطر نشوء نوع من الحزام الأمني الموالي لإسرائيل. وهم يخشون أن تسيطر في هذا الحزام جماعات متمردة على طول هضبة الجولان. فإعادة السيطرة على الحدود، حيث يسيطر النظام حالياً فقط على قاطع في شمالها، يخدمه في تعزيز تهديده مستقبلاً لإسرائيل. فالمحور الشيعي الراديكالي، مثل الخصوم الآخرين لإسرائيل، يسعى لترسيخ تهديد واسع متعدد القطاعات، يمكن عبره مهاجمة إسرائيل (خصوصاً بالصواريخ) من اتجاهات عدة.
وكما نشر أمس الأول في الصحافة العربية عن نية حماس ترسيخ بنى إرهابية تسمح لها بإطلاق صواريخ إلى الجليل من داخل أراضي لبنان، في حال مواجهة أخرى مع إسرائيل في غزة. لكن ليست حماس الوحيدة المعنية بأفكار كهذه. الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أعلن في خطابه أواخر كانون الثاني أن قواعد اللعبة تغيّرت، وألمح لبلورة جبهة واحدة يمكن لحزب الله العمل فيها ضد إسرائيل من سوريا رداً على هجماتها في لبنان، أو العمل من لبنان رداً على حدث في سوريا. ويكثر صحافيون مقربون من حزب الله في الأسابيع الأخيرة الكتابة عن جبهة تمتدّ من رأس الناقورة غرباً إلى القنيطرة شرقاً، تفسيراً لكلام نصر الله.
كما أن إيران تفكر بجبهات عدة متوازية. وعددت وثيقة نشرها مركز «ميمري» لإبحاث إعلام الشرق الأوسط، لا أقل من خمسة تصريحات لقادة إيرانيين عن الحاجة لتسليح الفلسطينيين في الضفة الغربية لتنفيذ عمليات. ونشرت الصحافة العربية تقارير عن لقاء بين فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني ومسؤول حماس خالد مشعل، في محاولة لتطوير العلاقات التي وصلت حد القطيعة تقريباً على خلفية الحرب الأهلية السورية، حيث دعمت حماس المعارضة السنية للنظام.
ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بحسم الحماس، محقّ. ففيما يلوي العناد الإيراني، كما يبدو، مواقف الإسرة الدولية في المفاوضات النووية، ترسل طهران أذرعها قرب إسرائيل في الحلبة الشمالية. والسؤال هل خطاب نتنياهو في الكونغرس الأميركي سيفاقم المشكلة بدلاً من معالجتها. فوقوف نتنياهو كإسفين بين الديموقراطيين والجمهوريين، عمودي الدعم لإسرائيل، يجعل متعذراً سن تشريع جديد لتشديد العقوبات على إيران. والبخل الذي تبديه حالياً أميركا في نقل معلومات عن المفاوضات النووية لإسرائيل هي السنونوة الأولى والمقلقة. في سيناريو متطرّف، إذا احتدم الصدام مع نتنياهو، يمكن للأميركيين عرقلة تسليم أسلحة وقطع غيار لإسرائيل، التي تجسد تعلقها بالمساعدة في حرب غزة. وتلميحات غانتس في خطاب الوداع عن الحاجة لمعالجة المخاطر البعيدة مع الحلفاء الأقربين، لم تكن صدفة.
مكنسة جديدة في هيئة الأركان
إن الدمج بين الصيرورات السالفة تبرز المعضلة الإسرائيلية في مسألة معالجة قافلة السلاح التالية التي ستحاول العبور لحزب الله من سوريا. هل سيحاول حزب الله تحدي الحكومة الانتقالية الإسرائيلية قريباً أو رئيس الأركان الجديد؟ وكيف سيتصرّفان؟
حتى اليوم، كان يبدو أن أسلوب العمل الإسرائيلي في الشمال على ما يرام. كانت هذه استراتيجية ذكية، جمعت بين ما تعتبره الصحافة العالمية نشاطاً هجومياً محدوداً (قصف قوافل السلاح لحزب الله) وبين تحالفات مصالح غير مباشرة مع جماعات معارضة عدة في الجولان. والشذوذ الأساسي عن هذه المقاربة تم – وفق الصحافة الأجنبية، في القصف الذي أودى بحياة الجنرال الإيراني وستة مقاتلي من حزب الله في الجولان في 18 كانون الثاني. اختار حزب الله بعد عشرة أيام الردّ المحدود، كمين مضاد للدروع لقي فيه ضابط وجندي من جفعاتي مصرعهما في مزارع شبعا، لكن ظهر أن جولة الضربات لم تكن بعيدة عن التدهور إلى حرب.
ويلزم الواقع الجديد في الشمال إسرائيل بالتصرف الحكيم والمكبوح. فالتغييرات على الحدود تقع بسرعة كبيرة، ولا ضمان أن الاستخبارات تقرأ بالضرورة بشكل صائب نيات العدو، حتى إذا كان واضحاً أن ليس للأسد وحزب الله مصلحة في شن حرب شاملة على إسرائيل حالياً. فهؤلاء ليسوا فقط رجال حزب الله، وإنما أيضاً بعض خصوم الأسد، الأشد تطرفاً في صفوف المعارضة، ربما يحاولون إشعال الحدود.
وفي هذه الظروف يعمل رئيس الأركان الجديد بسرعة فائقة. وسلسلة التعيينات التي أعلنها آيزنكوت هذا الأسبوع، وهي الثانية خلال شهر (الأولى تمت بالاتفاق معه قبل توليه المنصب)، تكمل حالياً إعادة إشغال حوالي ثلث مناصب هيئة الأركان. وخلافاً لغانتس، الذي استدعي للمنصب في اللحظة الأخيرة، توفر لآيزنكوت الوقت الكافي لإعداد خططه، حتى رغم تردد نتنياهو في إقرار تعيينه. وهو يعرف أن عليه ترك بصمته بسرعة فلا ضمان لاستمرار الهدوء الأمني الحالي.
لذلك، يعيد آيزنكوت إشغال القمة العسكرية على هواه، من دون التوقف عند مجاملات وانتقادات محتملة. والرسالة واضحة: هناك مكنسة جديدة في هيئة الأركان. وفي المداولات الأولى مع الجنرالات يوم الاثنين، أعلن آيزنكوت أن لقاءات الهيئة ستتم مرة في الأسبوع وليس مرتين، «لأنه ليس هناك مجلس إدارة في العالم يجتمع مرتين في الأسبوع»، وأفضل للجنرالات استغلال الوقت للعمل. وألمح بعدها إلى أنه قد يتخلص في الفترة القريبة من قسم كبير من أعضاء الهيئة، لأنه لا يملك مناصب كافية لجنرالات ولاية ثانية – ويقصد رغبته في تقليل متوسط أعمار الجنرالات وترفيع عدد من العمداء. والتعيينات هي الجزء السهل. فالسؤال الحقيقي يتعلق بمستوى جاهزية الجيش لمواجهة شمالية، إن نشبت قريباً. ولا يملك رئيس الأركان ترف التركيز على جبهة واحدة. يوم الثلاثاء غداة توليه المنصب زار آيزنكوت قيادة الجبهة الجنوبية، التي غدت مؤخراً مكاناً أكثر مركزية في سلم الأفضليات الاستخبارية للجيش. وهناك إدراك متزايد في المؤسسة الأمنية بأن التزاوج بين جمود إعادة الإعمار، واستمرار الشرخ بين حماس والسلطة وتفاقم الحصار المصري على قطاع غزة، عاد وحشر حماس في الزاوية. وإسرائيل تبني عموماً ردعها على تجسيد ثمن خسارة الطرف الآخر. ثمة شك هذه المرة بذلك، حيث لم يعد لدى الغزيين ما يخسرون.
والوضع في الضفة ليس أكثر تشجيعاً. قيادة الجبهة الوسطى استعدت لاحتمال التصعيد في الربيع، في ضوء الجمود السياسي وتوجه الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية مطلع نيسان. وبات الجيش في السنوات الأخيرة يعرف استعدادات لسيناريوهات لم تتحقق. لكن الفارق هذه المرة يمكن أن يكمن في المساهمة الإسرائيلية. فاستمرار تجميد نقل أموال الضرائب الفلسطينية للسلطة، وهي خطوة يعارضها كل قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، يمكن أن تدهور الوضع الاقتصادي في الضفة وتقوض التنسيق الأمني مع الجيش والشاباك. قال نتنياهو لآيزنكوت يوم الاثنين: «أمر واحد أستطيع ضمانه لك: لن تجد لحظة راحة». وقد تجنب رئيس الحكومة الإشارة لعدد المشاكل التي خلقها بنفسه للجيش.

(هآرتس)

 

آخر تحديث: 25 فبراير، 2017 11:12 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>