يخوض تيّار «المستقبل» حواراً مع «حزب الله»، يؤسّس، بحدّه الأقصى، إلى تسوية تعلّق بمسار تفاصيلها مصيرُ البلد، أمّا بحدّه الأدنى، فيؤجّل «الانفجار المذهبي»، أو يعلّقه عبر عددٍ من الآليات، اتفق الطرفان على أن تكون تحت مظلة «تنفيس الاحتقان». والاحتقان، بحسب ما هو معروف، سهل التعبئة، وسريع الاشتعال، ومقدماته جاهزة، ومبرراته كامنة في النفوس وظاهرة للعلن.
تيّار «المستقبل» حاضرٌ لبنانيّاً وإقليميّاً، ولو كان تواضع أركانه ينفي الانتشار الموسّع والممتدّ، ولو كانوا يقولون «عشرة ومية وألف سنة مكملين».
طبعاً، ليس المقصود أنّ الحوار سيتواصل ألف سنة. نحن نتمنى أن ينتهي على أيّامنا، ونسأل الله أن يقي البلد شرّ الألف، وأن نرى نتائج الحوار قبل ذلك الوقت بكثير. فالتقارب السياسي بين الحزب والتيار إذا أراح البلد، سيؤدّي بالتأكيد إلى حلحلة في عدد من الملفات، في مقدمتها رئاسة الجمهورية، وتليها الاستراتيجيّة الدفاعيّة وغيرها من الملفات الخلافيّة.
انتخابات الرئاسة أولوية بالنسبة إلى «المستقبل»، لطمأنة شريكه المسيحي، ولإحراج «حزب الله» وشريكه المسيحي الآخر، الطامح للرئاسة. وبدلاً من أن يزيح التيار العقبات من الطريق إلى بعبدا، وجد أنّ المناداة، ليل نهار، بضرورة ملء الفراغ الرئاسي الذي هو آفة الآفات، حالة سياسية قائمة بذاتها، ووظيفة بدوام كامل، عزّزت عصب حلفائه المسيحيين نحو بناء دولة المؤسسات.
البعد المحلي لتيار المستقبل، لا يقل أهمية عن بعده الإقليمي. فالتيار انخرط في حملة عربيّة ضدّ الإرهاب ـــ كتيار لبناني بطبيعة الحال، وبما يمثل بحكم علاقته مع السعودية ـــ وهو والمملكة، قبل الإعلان عن مشاركتهما في الحملة المذكورة، كانا متّهمَين بدعم التنظيمات الإرهابية مباشرة أو بالواسطة، أو على الأقل تأييداً قلبياً، نتيجة الاصطفاف الحادّ بين أنصار «الهلال الشيعي» و «القمر السني».
تضطر الرياض و «المستقبل» اليوم، إلى إعلان موقف صريح، واتخاذ خطوات لا لبس فيها، تظهر تموضعهما الجديد في الحملة الدوليّة على الإرهاب وأشكاله، بدءاً من إحراق الأحياء إلى قبول الآخر برغم الاختلاف معه. وبإمكانهما، في الوقت ذاته، البقاء على موقفيهما من النظام السوري، ولكنهما لا يستطيعان إلّا وأن يكونا في الجهة المواجهة لجبهة الحرب على الإرهاب. وهما في حاجة إلى اكتساب عقول المشكّكين وقلوبهم باعتماد خطاب تسووي وانفتاحي على الآخر، يفصل بين الرغبة في الخلاص من النظام السوري وبين الحاجة إلى التعايش مع الأقليات، الضعيفة منها أو القوية، خصوصاً أن النظام السوري أظهر دراية عالية بالتعامل معها وبالاعتراف بها وحمايتها والنظر إليها كمكون مساوٍ للمكونات الأخرى.
الجهد المطلوب لرفع الشبهة ضروريّ، فالتعبئة المتواصلة ضدّ الآخر حفرت في العقول وسالت على جنباتها دماء غزيرة، ما يجعل المهمة شبه مستحيلة. وما يزيدها صعوبة خروج النائب خالد الضاهر ليطالب بإزالة الرموز الدينية المسيحية، مقابل رفع لافتة سوداء من ساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس. كلام الضاهر لم يعد يفيد في أيّ دور، لا من قبيل استرضاء الشارع المحتقن، ولا من قبيل التخويف ببدائل سنية متطرفة. الضاهر بات حمولة زائدة من الضروريّ التخلّص منها، أو على الأقل التنصّل من كلامه، وإعادة تأهيل أنصاره ومريديه، وربما مشغليه، بما يتلاءم مع الدور الجديد لتيار «المستقبل» ويليق بشعار «عشرة ومية وألف سنة مكملين».

(السفير)