نصف اللبنانيين بلا تأمين صحي.. والأطفال يموتون مرضاً

كان يضحك. كان يلهو ببعض الألعاب. كان قد قال كلمته الأولى، وكان قد مشى خطوته الأولى. أصيب بمرض، حمله والده إلى ‏المستشفى، رفض الأخير إدخاله، فهو لا يمتلك المال، وكانت المستشفيات اللبنانية في عراك حول مستحقاتك مع وزير المالية. ‏مات مؤمن المحمد في حضن والده، قبل أن يذهب إلى ثلاث مستشفيات كلها رفضت استقباله. بعد أيام، سيستعيد الشارع ‏اللبناني ذكرى وفاة مؤمن الثانية، وقد لا يتذكر هذه الذكرى.

ادفع أو مت

مؤمن ليس وحيداً، فقد رفضت المستشفيات اللبنانية في منتصف العام الماضي استقبال الطفلة تالا جمعة صاحبة الخمسة ‏أعوام، بسبب وضع أهلها المادي. ولم تستجب المستشفى إلا بعد اتصال شخصي من وزير الصحة. والحال تكرر مع الطفل ‏الفلسطيني محمد طه، الذي أصيب باختناق، ومات على باب المستشفى. وسبقته الطفلة التي لم تكن تبلغ بعد السنة الواحدة ‏مريم أكرم محمد، والتي رحلت من حضن أهلها بسبب جشع المستشفيات. والقضية نفسها تكررت مع حسن قطايا، وهو من ذوي ‏الاحتياجات الخاصة، الذي ودع الحياة العام الماضي أيضاً.
ولعل الاستشفاء وكلفته المرتفعة من أبرز “المعضلات” التي تواجه المواطن اللبناني، خصوصاً لجهة غياب ضمان شامل يطال كل المواطنين. إذ تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 50% من المواطنين اللبنانيين غير مشمولين بنظام الرعاية الصحية أو الضمان الاجتماعي.
أسباب غياب التغطية الصحية متعددة، وأساسها السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في لبنان، والتي تفرض الضرائب والرسوم على كل شيء، ولا تقدم في المقابل الحد الأدنى من الخدمات العامة البديهية ومنها الاستشفاء. وكذلك، تلعب المحاصصة المذهبية دورها، بحيث أن مشروع الضمان الشامل تعرض للتعطيل كونه يُخرج الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من حصة أحد الأحزاب الفاعلة في السلطة اللبنانية.

جشع المستشفيات

وفي الوقت ذاته، يلعب جشع عدد من المستشفيات دوره. يحاول رئيس نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون أن يبدد الفكرة السائدة عن المستشفيات، والتي تعتبر أن المستشفى هي المسؤولة عن وفاة المريض. ويقول لـ “العربي الجديد” إنه لا يمكن إلقاء اللوم على المستشفى من دون فهم العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمستشفيات.
ويوضح هارون أن كلفة الاستشفاء المرتفعة هي نتيجة طبيعية للانخفاض الملاحظ في مساهمة الدولة في فاتورة الاستشفاء، ويشير إلى أن النقابة أعدت دراسة مفصلة عن فاتورة الاستشفاء أوضحت من خلالها، أن كلفة الاستشفاء السنوية تقارب ملياراً و500 مليون دولار أميركي، تتحمل الدولة 800 مليون دولار منها، بينما يتحمل المواطن 700 مليون دولار.
ويلفت إلى أن الدولة لا تدفع مستحقات المستشفيات غالباً، وإذا ما دفعت فبعد سنوات من التأخير وبعد أن تجري عليها حسومات عشوائية وغير منطقية.
ويشدد على ضرورة رفع مساهمة الدولة من 54% إلى 80% كحد أدنى، وذلك للتخفيف عن كاهل المواطن، مشيراً إلى أن المؤسسات المعنية “تتعمد وضع المستشفيات في مواجهة المواطن” من خلال وعدها بما لا يمكن تحقيقه في المجال الصحي.
ونظراً لهذا الوضع القائم على المستوى الصحي، نشأت تحركات مطلبية شعبية تطالب بإقرار قانون الضمان الشامل لكل المواطنين، ومن أبرز هذه التحركات حملة “حقي عليّ” التي وضعت خطة تصورية لإقرار القانون مع طرق تمويله.
من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي أن إقرار الضمان الشامل لجميع المواطنين أمر “مستحيل” في لبنان، مشدداً على أن شمولية الضمان تشترط النزاهة والانضباط المالي والترفع عن الماديات، الأمر الذي يستحيل على الدولة القيام به نظراً لحجم الفساد المستشري فيها، وأكبر الأمثلة على ذلك قطاع الكهرباء. وبشأن الطبقة الأكثر فقراً، يقول يشوعي إن “هذه الطبقة مسؤولة من وزارة الصحة مباشرة، وهي المعنية بالتقديمات الاجتماعية”.

خارج الصندوق

تنقسم أنظمة الرعاية الصحية الرسمية في لبنان إلى: الضمان الاجتماعي والصناديق العامة المشابهة (تعاونية موظفي الدولة، الطبابة العسكرية، إلخ…)من جهة، إضافة إلى شركات التأمين الخاصة من جهة أخرى، وكذلك الضمان الاختياري الذي تدور شبهات حول إمكان استمراريته بسبب وقوعه في العجز المالي. ويقبع أكثر من نصف الشعب اللبناني خارج كل هذه الصناديق العامة والخاصة. وبالتالي يحصل هؤلاء على الاستشفاء على نفقة وزارة الصحة التي تؤمن كلفة الاستشفاء المجاني لعدد محدود من المواطنين، من خلال اعتمادات تصرفها بصورة سنوية للمستشفيات بدل كلفة استشفاء. وفي كل مرة تتأخر الوزارة في صرف الاعتمادات، تقفل المستشفيات أبوابها في وجه المرضى، وهذا التأخر يحصل سنويّاً، ولأكثر من مرة في أحيان كثيرة.
(العربي الجديد)

آخر تحديث: 7 يوليو، 2017 1:47 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>