المحامي حسن بزي:السلطة في لبنان تفتقر للمشرّعين

يشهد الشعب اللبناني اليوم تغيراً لم يسبق له مثيل على مر التاريخ، نتيجة تأثره بمواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة، والتي تشكلت معها هويته الجديدة. حيث يؤدي الإفراط في استخدام هذه المواقع إلى انعزال الفرد عن أسرته والبعد عن المشاركة الفاعلة مع أفرادها ومجتمعه، في حين أنّ غياب الرقابة الأسرية والمجتمعية على الأبناء دافع قوي في إحداث سلوكيات غير مرغوبة، خاصة وأن هذه المواقع تعدّ المجال الأرحب للترويج لثقافة المخدرات والتواصل بين العناصر الإجرامية المشاركة في مختلف أنحاء العالم، ويعود ذلك لكون الرقابة على الشبكة العنكبوتية أمر يصعب تحقيقه، إضافة إلى عدم وجود قانون لبناني يحمي الأفراد ويحدد الأفعال المجرمة عبر الشبكة، ما دفع إلى وقوع حوالى 60% من سكان لبنان ضحايا لمفاهيم تلك الظاهرة. إنه العالم الإفتراضي الغازي كل منزل في لبنان، والذي يحمل العديد من الأفعال والتعاملات الناتجة عن علاقات افتراضية أيضاً مع أشخاصٍ يختبئون أحياناً وراء أسماءٍ وشخصياتٍ وهمية، فبين “الماسنجر” والـ “فيسبوك” والـ “تويتر” وغيرها من المواقع المنتشرة، والمؤدية لوقوع البعض ضحايا للكثير من الجرائم المتنوّعه، التي لم تجد حتى الآن قانوناً ينظمها ويعاقب مرتكبيها ويحمي المعرّضين للانضمام إلى لوائح المجني عليهم.

تنص المادة الثالثة من قانون المطبوعات على أنه: “يعنى بالمطبوعة وسيلة النشر المرتكزة على تدوين الكلمات والأشكال بالحروف والصور والرسوم، ويجب أن يذكر في كل مطبوعة إسـم المؤلف وإسم المطبوعة والنـاشر، وعنوانه وتـاريخ الطبع”. وانطلاقاً من هذا التعريف فإنّ موقع الفيسبوك لا يعد مطبوعة بالمفهوم المنصوص عنه في قانون المطبوعات إذ أنه مجرّد وسيلة تخاطب إلكتروني خاصّة بصاحبها، ولا تحتوي على الهيكلية الخاصة بالمطبوعات، كإسم المؤلف والناشر، وهذا ما ينطبق بدوره على موقع التويتر، وسائر مواقع التواصل الإجتماعي، إلاّ أن شرط العلانية الذي هو أساس توافر جرائم القدح والذم، دفع إلى أخذ محكمة المطبوعات به كشرط أساسي لتجريم الفاعل إذا كان صحافيّاً وموقعه موقع إخباري نظراً لعلانية تلك المواقع وسرعة انتشار الأخبار عبرها.

وبما أن جريمة القدح هي من جرائم الوسيلة أي تلك الجرائم التي لا تقوم إلاّ إذا ارتكبت بالوسائل المحددة قانوناً. وهذه الوسائل نصت عليها المادة 209 من قانون العقوبات التي لم تُعدّل منذ إقرار قانون العقوبات اللبناني بتاريخ 1/3/1943، حيث لم يلتفت المشرّع آنذاك، لإمكانية وجود شبكات الإنترنت وانتشارها بهذه الطريقة، ما يعني أن المشرّع لم يذكر الوسائل الإلكترونية من بين الوسائل التي تقوم بها جريمة المادة 388 عقوبات، وذلك عملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يفرض تفسير النص الجزائي بصورة حصرية وضيقة وما يؤكد ذلك، هو أن اقتراح قانون المعاملات الإلكترونية الذي عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة في مجلس النواب، ولم يقرّ في الهيئة العامة بعد، قد نص في المادة 178 منه على تعديل البند(3) من المادة 209 من قانون العقوبات بحيث تضاف إليها عبارة “بما فيها الوسائل الإلكترونية”، ما يؤكّد صراحةً، توافر النقص فيما يتعلّق بالوسائل المذكورة في هذه المادة من التشريع الجزائي، ما استلزم التعديل المقترح.

وحول كيفية التعامل مع هذا النوع من التعاملات المسببة لجرائم أطلق عليها إسم “جرائم الإنترنت”, ومدى إمكانية تجريمها بحسب النصوص القانونية المتوفّرة في ظلّ غياب التشريع المذكور، كان لنا مع المحامي بالاستئناف الأستاذ حسن بزّي، اللقاء الآتي:

لو سلّمنا أن وسائل التواصل الاجتماعي تبرز أفكارًا مميزة من خلال مشاركة الكثير من أبناء المجتمع المتميزين والمعروفين بأسماء حقيقيه إلا أنّ هذه الاسماء لم تسلم من المشاحنات وتبادل الاتهامات والأوصاف فيما بينها والتي تؤثر سلباً على المجتمع، فتكثر التجاوزات الماسّة بالدين والسياسة والرياضة وحقوق الآخرين دون حسيب أو رقيب. ما مدى إمكانيّة تجريم هذه الأفعال؟

في الأصل كان قانون العقوبات في مادتيه 582 و 584 هو الذي يعالج قضايا الذم والقدح والتشهير، حيث اشترط فيها العلانية إلى جانب السُباب والتشهير، وحدّد في المادة 207 وسائل الإعلان كالنشر والصحافه الجديدة التي تدخل في هذا الإطار، وباعتبار مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة حالياً هي مواقع علنية لذلك فإن الذم والقدح عبرها يكون قابلاً للملاحقة القانونية عبر قانون العقوبات، لتحقق شرط العلانية فيها. إلا أن هناك مشكلة تتعلق بقانون المطبوعات فيما يخص المواقع الإخبارية المتعلقة بالصحافة، كونه يفتقر للنص الذي يرعى ملاحقة جرائم الصحافيين عبر مواقع الإنترنت، فيثور التساؤل هل يُطبَّق هنا قانون العقوبات عليهم كأي فرد آخر، أم قانون المطبوعات وهنا يختلف القضاء في تفسير كلمة “المطبوعات”، هل هي الورقية فقط وبالتالي تخرج منها مواقع الانترنت، أم هي كل وسيلة علنية للصحفيين سواء تمت في كتاب منشور أو جريدة أو حتى على مواقع الكترونية طالما أنه موقع إخباري رسمي فهو يخضع لقانون المطبوعات، أما في الحالة التي تتعلّق بصفحات الصحافيين الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي فهي تخضع كصفحات الأفراد العاديين لقانون العقوبات.

كيف يمكن بث رسائل التوعية التثقيفية(عبر وسائل الإعلام) لمواجهة تلك القنبلة الموقوتة في مجتمعنا؟

هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة أولاً أي وزارة الإعلام، القناة التلفزيونية الرسمية، فنحن نملك إعلاماً هابطاً واستهلاكياً، لا تلتفت وسائله لتمرير رسائل التوعية التثقيفية التي تنص على خضوع السُباب والشتم والأفعال التي تتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي للملاحقة القانونية، لتوعية المواطن الذي بات يعتبر صفحته على تلك المواقع هي ملك شخصي له يشتم عبرها من يريد دون حسيب، ثانياً الإذاعة الرسمية، ثالثاً الإذاعات والقنوات الخاصة والصحف المنتشرة، رابعاً المدارس والجامعات، وفقاً لمادة التربية المدنية التي يجب العمل بها وتطويرها، وأخيراً الأسرة في البيت والعائلة إذ تكون مسؤولية كل فرد واعٍ، توعية من حوله إذا كان يعلم بذلك.

هل يمكن القول إذاً بأن العقوبات على جرائم الإنترنت اليوم تُؤخذ قياساً لقرار القاضي الذي يتولى القضية، فيتحكم بدوره في هذه الجرائم بحسب أهوائه؟

القاضي يحدد الجرم بحسب السلطة الاجتهادية المتوفرة عنده، فإذا أخضع موقعاً اخبارياً معيناً لقانون معين لا يمكنه إخضاعه في قضية أخرى لقانون آخر فيكون قد اتخّذ منحىً معيّناً يلتزم به وإن اختلف فيه عن غيره، فالمواقع الإخبارية فقط هي التي ما زالت محطّ خلاف بين القضاة، فكل قاضٍ يفسّر المادة القانونية بحسب اجتهاده هو، وبناءً على ذلك يحدد القانون الواجب التطبيق، لذا فيكون الموضوع أخف وطأة على القضاة إذا تعلّق الأمر بالأفراد إذ يطبّق حتماً قانون العقوبات، أما فيما يتعلّق بالجرائم الأخرى فمتى توافرت العناصر المنصوص عليها قانوناً كجرم الاحتيال مثلاً، فإن القاضي ملزم بتطبيق القانون العام حتماً بغض النظر عن مكان أو كيفية وقوعها سواء مباشرة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

طال انتظارنا لإقرار مشروع قانون ينظم التعاملات عبر الإنترنت لمكافحة جرائمها، والمعلّق منذ سنوات، هل تعتبرون هذا التعليق أو تأخير البت فيه، (كما هو الحال في كل الملفات في لبنان) مقصوداً يعود لتحقيق أهداف سياسية خاصة؟

في الواقع السلطة عندنا تفتقر للمشرّعين، وللأسف معظم النواب وصلوا للسلطة عبر عصابات رشحتهم لحماية مصالحها، كمافيا النفط مثلاً، ومافيا التجار والضرائب والرسوم الجمركية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى افتقار النواب للكفاءة القانونية، فمثلاً لجنة الإدارة والعدل، من المنطق أن تتألف كما في الدول الراقية المفهوم، من ذوي الاختصاص من محامين وقضاة، إلاّ أنها للأسف هذه اللجنه المؤلفة من 15 عضواً خمسة منهم فقط هم من رجال القانون، كما أنّ إحدى اللجان القديمة كان أحد أعضائها محامٍ لم يلبث سنة في التدرج، كيف تسنّ هكذا لجنة قوانين تحكم الشعب اللبناني، فالمشكلة الأساس عندنا في أصل المشرّع وجهله للنصوص وعدم فهمه لكيفية تطبيقها، أو بوضعه قوانين متضاربة الصلاحيات ولا يمكن تطبيقها، ففي آخر قانون عقوبات تم إقراره للأسف تضمن ما يقارب 84 خطاً جوهريّاً، لذا فالعيب الأساسي يكمن في تكوين مجلس النواب تكوين السلطة السياسية بعيداً عن الكفاءات. من الطبيعي بوجود هذه هؤلاء الأشخاص أن نفتقر للقوانين، وفي حال توافرها تكون قاصرة. فأقل قانون في لبنان يحتاج لتوافق سياسي وطائفي، لذلك فكما نكون يُولَّى علينا، نحن إذاً في ظل سلطة فاسدة أنتجها شعب غير مفكّر، شعب لا يحاسِب، شعب ينتصر للزعيم ولا ينتصر لله والوطن.

هل لديك أي اقتراح تناشد به السلطة السياسية؟

أنا سبق وتقدّمت بأكثر من مشروع قانون بمجالات مختلفة، لكنها كالعادة، تنتظر التوافق السياسي والطائفي حتى ينظر بها، وحالياً لا يمكني تقديم أي اقتراح لأني لا أعترف أصلاً بهذا المجلس، وأكتب على صفحتي الشخصية على موقع الفيسبوك هذه العبارة، فهو مجلس غاصب للسلطة، ومعنى ذلك أن المال الذي يتقاضونه هو مال غير مباح لهم. من خلال قراءتي للنص الدستوري والقانوني  والتمديد له باطل وغير شرعي، وفي حال تغيّر هذا المجلس، كل ما أقترحه وأتمناه هو مجرد تعديل لبعض مواد قانون العقوبات وقنون المطبوعات، علماً أن القانون الجديد المقترح مؤخراً لحظ ذلك لكنه مازال مركوناً في زوايا المكتبات، ينتظر الإقرار المرتبط بالمصالح السياسية والطائفية.

(شؤون جنوبية)

 

آخر تحديث: 2 فبراير، 2015 12:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>