المرأة أمام المحاكم الدينية: تمييز وانتهاك حقوق

تضع نتائج الدراسة التي أطلقتها «هيومن رايتس ووتش» أمس النقاط على الحروف في حقوق النساء في لبنان. فالتقرير الذي تمحور حول «حقوق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية»، برهن أن «لا حماية ولا مساواة» للنساء في قوانين الطوائف المعترف بها في لبنان. عليه، في غياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، وفي ظل افتقارنا لدولة مدنية، تبقى الخطوات التشريعية منها الإجرائية محدودة التأثير أمام التمييز اللاحق بالنساء بسبب ترك حيواتهن لـ15 قانوناً دينياً للأحوال الشخصية العائدة لـ18 طائفة. حتى أن بعض القوانين، ومنها قانون العنف الأسري، بقيت نوعاً ما تحت سقف قوانين الأحوال الشخصية، وقانون حماية الأحداث، ومعهما مشروع قانون تزويج القاصرات.

والأسوأ أن المحاكم الدينية على أنواعها، شرعية أو جعفرية أو روحية أو مذهبية كانت، تعمل بشكل مستقل، وتفتقر إلى إشراف فعّال من الحكومة اللبنانية. ورأت «هيومن رايتس ووتش» إثر تحليل 447 حكماً قضائياً حديثاً في هذه المحاكم أنها «كثيراً ما تصدر أحكاماً تنتهك الحقوق الأساسية للنساء، في قضايا الطلاق والملكية ورعاية الأطفال»، وكل ما يتعلق بها. وخلصت المنظمة الدولية إلى أن «قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الديانة في لبنان تميز ضد المرأة عبر جميع الطوائف الدينية ولا تضمن لها حقوقها الأساسية».
وتوقف التقرير الذي يختصر الدراسة في 114 صفحة أن جميع هذه القوانين «تنصب الحواجز أمام السيدات أكثر من الرجال الراغبين في إنهاء زيجات تعيسة أو مسيئة، أو في بدء إجراءات الطلاق، وتلك المتعلقة بحضانة الأطفال، فتنتهك حقوقهم ولا تأخذ مصلحتهم الفضلى في الاعتبار عند إصدار قرارات قضائية تتعلق بمصيرهم، وبحقوق أمهاتهم، كما تأمين الحقوق المالية للنساء».
وأكد نائب مدير قسم الشرق الأوسط في «هيومن رايتس ووتش» نديم حوري خلال التقديم للتقرير أن الأمر «لا يقتصر على انعدام المساواة أمام القانون بين المواطنين المنتمين إلى طوائف مختلفة، بل إن المرأة تلقى معاملة جائرة على طول الخط، ولا تحظى حقوقها وأمنها بأية حماية. وقد بات تبني قانون مدني اختياري للزواج، إضافة إلى الإصلاحات المطلوبة بشدة في قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية القائمة، ضرورة مستحقة منذ وقت طويل».
وأجرى الباحثون مقابلات مع محامين وقضاة واختصاصيين اجتماعيين ونشطاء وسيدات خضن معارك الطلاق أو الحضانة أمام محاكم دينية. وأوصت الدراسة بأن الحل يتركز في لبنان، كما أكدت لمى فقيه من المنظمة، بإقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الديانة ووضع نهاية للتمييز ضد المرأة وحماية الأطفال، وبتدريب ومراقبة القضاة والمحامين في المحاكم الدينية.
ويبرز التقرير، الذي أعلنت نتائجه المحامية نايلة جعجع أمس في بيروت، انعدام المساواة بين المواطنين لجهة تنظيم أحوالهم الشخصية، وتبايناً جوهرياً بحسب انتمائهم الطائفي ونظامه القانوني الذي يخضعون له، وما قد يعتبره البعض تنوعاً دينياً، يؤدّي في الواقع إلى اصطدام المواطنين بعوائق قانونية واجتماعية واقتصادية تعرقل تنظيم حياتهم الأسرية، في ظلّ غياب حد أدنى من المعايير أو الضمانات القانونية، ليتبين أنّ المرأة في لبنان هي الأكثر تضرراً من جراء هذه القوانين.
ولا يشكّل التشريع المصدر الوحيد للتمييز ضد المرأة، وفق التقرير، فـ «إجراءات المحاكم الطائفية تفرض العديد من العقبات التي، نظراً لتبعية المرأة الاقتصادية للزوج في أكثر الحالات، تتأثر بها بشكل ملحوظ وغير متكافئ مقارنةً مع الرجل». وتشمل تلك العقبات ارتفاع الرسوم القضائية وغياب آليات الرقابة والمحاسبة الملائمة على عمل المحاكم الطائفية، فضلاً عن قصور الدعم المادي والقانوني والاجتماعي من قبل المؤسسات الدينية أو المدنية.
ويطال انتهاك حقوق المرأة: الحق في عدم التمييز وفي المساواة في الزواج وحله وحقها في السلامة البدنية وفي الصحة. والواقع أنّ هذه الحقوق مكفولة بموجب العديد من المواثيق الحقوقية الدولية التي صدّق عليها لبنان، وفي مقدمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

الطلاق
يوثق التقرير أن الرجال، عند الطوائف المحمدية، يتمتعون بحق مطلق في الطلاق، بينما هو مشروط للمرأة. وهناك أربعة طرق محدودة تتيح للمرأة إنهاء العلاقة الزوجية، هي «العصمة أو التفويض، التفريق أمام المحاكم الشرعية السنية والدرزية المذهبية، الطلاق الحاكم بالنسبة للطائفة الشيعية، والخلع.
لكن في الواقع لا يحقق وضع العصمة بيد المرأة المرجو منها، فمن من بين 27 سيدة مسلمة تمت مقابلاتهن، لم تقم واحدة بإدراج شرط العصمة في عقد زواجها، ومن بين أحكام الطلاق الـ150 التي أصدرتها محاكم إسلامية وخضعت للمراجعة، صدر ثلاثة فقط بناءً على ممارسة الزوجة لحق العصمة.
والتفريق هو حل الزيجة بحكم قضائي لأسباب يعددها ويحصيها القانون الديني. وبمراجعة 65 قضية نجحت سيدات فيها في الحصول على التفريق، اتضح أن المحاكم الإسلامية كثيراً ما تجد المرأة مسؤولة ولو جزئياً عن فشل الزيجة، ومن ثم تنتقص من حقوقها المالية.
ويتلخص الطلاق الحاكم بالاستغاثة بمرجع ديني جعفري خارج المحكمة، يمكنه تطليق المرأة نيابة عن زوجها، ثم توثيق القرار في محكمة دينية. وهي ليس فيها ضمانات لاعتراف المحكمة بشرعية الطلاق.
أما الخلع فتختار كثير من السيدات التنازل عن حقوقهن للحصول على الطلاق.
تعتبرالقوانين المسيحية أشد تقييداً بصفة عامة بالنسبة إلى الزوجين. وعليه، «تواجه النساء عقبات إضافية عند محاولة إنهاء زيجاتهن بسبب ارتفاع أتعاب المحاكم والتمثيل القانوني، ونقص تدابير الحماية من الإساءة البدنية والنفسية (العنف الأسري لا يكفي للحصول على إنهاء سريع للزيجة، إلا في حالة الشروع في القتل)، وإبدال الرجال المسيحيين دينهم واعتناق الإسلام بصورة أحادية.

حضانة الأطفال
تعتمد المحاكم الدينية السن القانوني للحضانة وليس مصلحة الطفل الفضلى كمعيار أساسي في القوانين الطائفية، وتبادر المحاكم، لاسيما الروحية والسنية، وعلى نحو متزايد، إلى تغليب مفهوم مصلحة الطفل الفضلى إنّما يبقى ذلك خاضعاً إلى السلطة التقديرية لرجال الدين. وباستثناء قانون الأحوال الشخصية للأرمن الأرثوذكس، أولت جميع قوانين الطوائف الولاية أثناء الزواج وبعد انتهائه إلى الأب.
ويبقى حق الحضانة العائد للأم، على عكس ولاية الأب، مقيداً زمنياً ومشروطاً وقابلاً للسقوط في حال زواجها، أو «عدم أهليتها»، أو مغادرة المنزل الزوجي أو «النشوز»، وإخفاق التنشئة الدينية للطفل.
وتوقف التقرير عند تهميش المرأة اقتصادياً، وغياب تدابير الحماية الكافية من العنف الأسري حيث «تخضع المسلمات لحق الزوج في تأديبهن وحقه في المعاشرة بدون رضاهن، ولا تعد المحاكم الكاثوليكية الإساءة الزوجية سبباً كافياً لبطلان الزواج، ويتعين على المرأة أمام المحاكم الأرثوذكسية والإنجيلية إثبات أن العنف يوازي محاولة قتل من أجل إنهاء الزواج.
وتتلخص أوجه القصور القضائية الإجرائية وإشكالية التشريع في «غياب آليات الرقابة الملائمة على المحاكم الدينية، ونقص التدريب أو المؤهلات المطلوبة لقضاة المحاكم الدينية، وعدم تمثيل النساء في الهيئات القضائي، وارتفاع الأعباء المادية لاسيما أمام المحاكم الروحية، وشبه غياب المساعدة القانونية وغيرها من أشكال المساعدة.

آخر تحديث: 16 أبريل، 2018 12:16 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>