القطارات حالة ثقافية في ألمانيا

أكثر ما يدهش العربي الزائر أو المقيم في أوروبا ربما، هو شبكة النقل الداخلي والقطارات تحديداً، فمنهم من يشتري في بداية حياته هنا بطاقة تتيح له التجول بالقطار داخل المدينة للتعرّف من خلال نافذته على معالمها. لكن كثراً من يعانون من نظام الشراء الإلكتروني، كما يواجه بعضهم الآخر صعوبات في تبديل القطار حسب وجهته عند السفر من مدينة الى أخرى. كما يرتبك كثر بداية في قراءة خريطة المترو.

وقد يختلف ذلك بين شخص وآخر، لكن عموماً يشكّل القطار حالة ثقافية جديدة على المهاجر، عليه أن يتعلّمها بسرعة. ومع مرور الوقت يعتادون على هذا النظام ويبدأون في تسجيل ملاحظاتهم السلبية حوله، وهذا أمر طبيعي.

ويبقى النقل الجماعي في ألمانيا تجربة رائدة تسهّل حركة الناس. فهم يعتمدون في شكل كبير على القطار للتنقّل بين المدن وحتى من أجل السفر عبر أوروبا. وتتسع شعبية القطارات سنة بعد أخرى لأنها تلبّي حاجة التنقّل الجماعي بمواعيد دقيقة إنطلاقاً ووصولاً، حتى إن الإضرابات التي شهدتها البلاد أخيراً وأدّت إلى توقّف عدد لا بأس به من سائقي القطارات عن العمل بهدف الضغط لتحسين ظروفهم، كادت أن تؤثر في كل شيء، وتربك الحركة عموماً.

والقطارات متنوعة الأحجام والسرعات في ألمانيا، منها ما يلبّي خدمة التنقّل داخل المدن، ومنها ما يصل بينها، ومنها ما هو مخصص لنقل البضائع. ويذكر أن أولى رحلات قطار للركاب انطلقت في عام ١٨٣٥، ومنذ ذلك التاريخ شهدت شبكات النقل عبر سكك الحديد والخدمات المقدّمة في القطارات تطوّراً كبيراً.

وقد بلغ عدد مستخدمي القطارات خلال العام الماضي حوالى ٦٢ مليون راكب. كما قامت وسائل النقل على اختلاف أنواعها بنحو 31 مليون رحلة يومياً.

وعلى رغم ذلك لا يكف الإعلام عن توجيه النقد كلما لزم الأمر، وقد بُث أخيراً تقرير متلّفز أضاء على ملاحظات سلبية عدة تناولت عمل القطارات ومحطات المترو من خلال شكاوى بعضهم لناحية نظام التكييف والتهوئة والرائحة والصيانة.

وتكشف هذه الأرقام جزءاً من الإعتماد الكبير للألمان على وسائل النقل الجماعي. كما أن الثقافة المرورية مختلفة، فإذا كان القطار أو الباص أو الدراجة تلبي غرض الوصول الـــسريع والأقل كلفة، ويتجنّب كثر إستخدام سياراتهم غير آبهين بـ«البــريســتيــج» أو إظــهــار مـــكانتــهم الإجتماعية أو المهنية كما هي الحال في مجتمعاتنا.

وقد ركّز على هذه الفكرة تحقيق ألماني متلفز نقل من إسطنبول معاناة الناس هناك مع النقل الجماعي على رغم تعدد وسائله، إذ يفضّل كثر من الأتراك استخدام سياراتهم للذهاب إلى أعمالهم ولو كان ذلك أكثر مشقة، كونه يضيف إلى صورتهم نوعاً من الوجاهة أو القيمة.

ويُراعى في سعر تذاكر القطار الوقت الذي يختاره المواطن لتنقّله وسفره. كما تتوافر أسعار وعروض للمجموعات. ومن أراد السفر بقصد الترفيه في عطلة نهاية الأسبوع يستطيع شراء تذكرة خاصة أقل سعراً من مثيلتها المستخدمة في الأيام الأخرى. ومن يشتري تذكرة بعد الساعة التاسعة يستفيد من سعرها المخفّض. علماً أن أسعار التذاكر عموماً شهدت إرتفاعاً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تذمّر كثر وعزوف آخرين عن استخدامها.

كما لا تزال أرياف تعاني من قلة وجود وسائل النقل الجماعي أو إنعدامها، حيث يمر الباص مرة صــباحاً وأخـــرى ظهراً، ما يضطر مسنين في القرى إلى طلب سيارة أجرة عند الحاجة، علمـــاً أن غالبية الشبان هناك يملكون سيارات، وبإعتبار أن كثراً من سكان القرى النائية موظفون في المدن، لذا فإن حاجتهم لإقتناء سيارة ماسة، وغالــباً ما يســأل المتقدّم إلى وظيفة عن إمتلاكه سيارة أو رخصة قيادة، لما لهما من أهمية في تسهيل حركة الموظف.

كما تلعب الدراجات دوراً مهماً في تسهيل تنقّل الألمان وحركتهم، إذ يقودها حوالى 71 مليون شخص (من أصل 80 مليون نسمة). وكشفت بيانات أصدرها أخيراً اتحاد صانعي الدراجات أن المبيعات ارتفعت 4 في المئة خلال الربع الأول من العام الماضي (بيعت ٢.٨ مليون دراجة على اختلاف أنواعها).

ويعمد بعضهم إلى الدمج أو التنسيق بين استخدام القطار والدراجة، فيركب القطار لاجتياز المسافة بين مدينة وأخرى، ويتنقّل بالدراجة داخل المدينة. وعلى رغم وجود طرق خاصة للدراجات، هناك تذمّر من عدم صلاحية بعضها أو عدم توافر الكثير منها، أو صعوبة قيادة الدراجات داخل المدن بسبب الإزدحام.

يذكر أن حزب الخضر سعى إلى إصدار قرار يؤمّن لمستخدمي القطارات خفوضات إضافية على شكل تذاكر خاصة، في مقابل رفع الضريبة على المواطنين، في محاولة منه للحدّ من استخدام السيارات ما أمكن لما له أضرار على البيئة.

آخر تحديث: 15 يناير، 2015 11:04 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>