مشيمش وشوربا.. لا يستوي العميل بغير العميل

شكّلت سياسة حزب الله الاعلامية والثقافية جوا من السلبية تجاه كل ناقد او معترض، فجُهزّت لهم تهمة العمالة لإسرائيل، او مناصرة 14 آذار، او الامبريالية.. ليتبين ان الموساد ينخر عظام قيادته.. والسؤال هو: ما الفرق بين حسن مشيمش ومحمد شوربا؟

في غمرة التبدل والتحوّل العميق اللذين حدثا في لبنان بُعيد توقف الحرب الاهليّة اللبنانية، وتبعثر المواقف بين مؤيد للسلم، ومناهض للطائف، وثوري مستمر بثورته كان لا يزال ثمة فصل نهائي بين فريقين كبيرين الاول منفتح على السياسة الغربية بما فيها السياسة الاميركية والثاني مرتبط بالسياسة المناهضة للغرب والتي تدور في فلك مناهضة الامبريالية والدعم البارز لخط المقاومة لاسرائيل والصهيونية. لكن بعد مرور عقدين من الزمن تقريبا بات هذا الفصل الفكري والايديولوجي الحاد متماه وغير محدد بشروط وصفات الاولى صفة الانعزالية، والثانية الممانعة.

وسرّ هذا التماهي والتخالط والتداخل في الحدود أفضى الى ان يتقرّب اليسار من اليمين فيولد اليسار الديموقراطي في حالة هجينة، والاسلامي من الانعزالي ولادة مسخة.

في صلب التوصيف، نصل لأن يخرج من صفوف المقاومة الوطنية والاسلامية عملاء بارزون أمثال زياد الحمصي وقيادة مهمة من داخل حزب الله. ومن الطرف الآخر فايز كرم ومن الجيش عدد لافت من العملاء.

وما يجب قوله اننا كلبنانيين أصبنا بصدمة كبيرة جراء هذا العدد الهائل من حالات التعامل مع اسرائيل التي لم نتفق على استعدائها الا متأخرين، وهذا لزوم الحوار السياسي الداخلي.

فبعد تحرير الجنوب عام 2000 بات الانتصار ربيب جميع الفئات والقوى، وباتت النشوة مسيطرة على الجميع واعتقدنا لفترة ان اسرائيل (الغدة السرطانية) صارت خارج الزمن واننا أدينا قسطنا للعلى، لكن الصدمة الكبيرة والمفاجئة ان تدخل سوسة العمالة الى رأس المقاومة التي قدّسها الناس وعبدوها وأجلّوها، ولم ينظروا اليها نظرة سوء مطلقا رغم جميع الهفوات التي رافقت تصرفات الشباب المنضوي تحت اطارها. وهذا يُعد امرا طبيعيا على كل حال.

وكان النقد والتعليق على بعض العمليات التي تُجرى والتي يكون ثمنها من الارواح والاملاك اكبر بكثير من النجاحات- كان يقابل بالاتهامات والادانات والاعتراضات. وكان المُعترض والناقد يحوّل الى قفص الاتهام ولا يخرج منه بسبب طبيعة الجمهور الغوغائية والتي عرف حزب الله كيف يسيّرها بطريقة تخدم مصلحته على العكس من جمهور بقية الاحزاب في لبنان.

وهناك الكثير من الافراد والجماعات ممن شنت عليهم حملات تحريضية لأجل تعليق او نص او حوار بحجة (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). واليوم وبعد عدة انكشافات الكبيرة لحالات التعامل مع اسرائيل داخل الجيش اولا والتيار الوطني الحر ثانيا، وحزب الله وهنا الاهم – باتت هذه التهم مضحكة. فهل ان الموساد قتل أحدا ما بسبب تعليق سياسي؟ او نقد او تصويب او اعتراض او رأي حر؟ أين التهم الجاهزة لحزب الله الذي يدّعي حصرية في النجاح والانتصار ويرهب الرأي الآخر؟

أين نصائح شيوخه؟ أين عقيدته السياسية والدينية الصافية؟ أين البناء العقيدي؟ أين وأين وأين؟ كم يحتاج من أزمنة لكتابة الاعتذارات لمن ألحق بهم الأذى؟ وهل لا زال نقدنا يؤلمه؟ أيؤلم القلم الحرّ والصريح أكثر من القتل؟

في الماضي وجه حزب الله الاتهام الى احد رجال الدين وهو الشيخ حسن مشيمش الذي كان في صفوفه وأدخلوه السجن ليس لتهمة العمالة ابدا، بل لانه عارض ولايه الفقيه فقط وأخرج بكفالة دون اعلان براءته. علما ان عملاء كثر من داخل صفوف الحزب لم يتم تسليمهم للسلطات اللبنانية، بل تم تهريبهم أو قتلهم او التغطية عليهم..

وواضح لمن لا يعلم ان تلك المقاومة الشريفة التي آمن بها الناس جميعا من كل انحاء العالم لم تعد تحظى باجماع بعد سلسلة فضائح رافقت المرتبطين بها والتي صدمت من كان ايمانه صادقا.

واليوم وبعد سلسلة من الارتكابات لمن كنّا نقدسهم، اهتزت هذه الصورة وباتت مغبشة ولم تعد تنطلي علينا لا التصريحات ولا المواقف ولا “الحركات الأمنيّة” التي تُرتكب باسمنا ولاجلنا ولحمايتنا.. فهي ليست سوى استعراضات واهية طالما ان اسرائيل موجودة في العمق وفي الداخل وفي القلب.. ولعل التفسير الوحيد لحركة العمالة الناشطة داخل حزب الله هو عدم ايمانهم منذ انخراطه الحرب السورية بأية عدائية تجاه اسرائيل وتحوّل هذه العدائية نحو الوهابية والسلفية الجهادية…

فيا شعب لبنان العظيم ويا شعب الجنوب ويا شعب الضاحية: ماذا انتم فاعلون؟ ولماذا لم تهتز هذه البيئة ولم تحرّك ساكنا؟ ألهذه الدرجة أعميّ على قلوبها؟ أليس واجبا علينا ان نطلب نزع الاسلاك الشائكة بيننا وبين من يدّعي حمايتنا في الوقت الذي نكتشف ان الموساد مقيم هناك في الداخل؟

لا يكفي الغليان الداخلي لانه سينفجر بنا ويؤدي الى الكفر بمنطق المقاومة، وبمزيد من التهاون بحق قدسية التحرير وبحق معاداة اسرائيل.

آخر تحديث: 26 ديسمبر، 2014 7:23 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>