في تكريم هاني فحص: كان منكم.. والصبحُ قريب

هاني فحص المهاجر،
هاني فحص، المدنيّ المعّمَّم، وعمامتُه تليقُ بمواطنٍ في الدولة المدنيّة، تلك الدولة التي هاجرَ إليها السيّد هاني منذُ انْ أشارَ الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين إلى وجودِها، وإلى كونِها حقيقةً إيمانيّة.
لم يكنِ السيّد هاني ريفيّاً أبداً رغم انه كان سيّدَ التَّبغِ والزَيتونِ والزَّعفران،
لم يكنِ السيّد هاني مُلاَّئياً أبداً رغم أنّه كان نجفياً، والنجف حَفَرَتْ فيه كالنّقشِ في الحَجر.
لم يهجرِ السيّد هاني ” رجالَ الدّين”، عندما يكونون موجودين، ولكنه لم يكنْ واحداً من جمهورٍ يُجمعون في احتفال.
لم يكنْ قصيّاً عن أحد، لكنّهُ كان عصيّاً على الضّم، والضّمُّ في هذهِ الأيّام، يعصِرُ الروحَ وينتِفُ الإرادةَ، ويسجِنُ التفكير.
لم يكن من الجنِّ السيّد هاني،
كان منّا، من الإنس، من الناس،
يا أيّها الناس، كان منكُم السيّد هاني ولم يكن حزبيّاً،
كان يمشي بينكم ويأكل من طعامِكم ويجلس في أسواقِكم،
كان منظوراً وكان مرئيّاً ولم يكن خفيّا،
ولهذا ربما انمغصَ البعض.
كان صاحبَ “ذلكَ الكتاب” الذي لا ريب فيه، السيّد هاني،
وكان يمسكُ الكتابَ بقوّة، كما يحيى،
وأيضاً كان من أهلِ الكتاب، كيوحنّا،
لبنانيّون معاً جميعنا في لبنان نحيا،
وكلُّنا أهلُ كتابٍ حين يدعو كتابُنا كلاً منّا أن يكون كتابيا
لا يستقيمُ الوطن في لبنان بكتاب واحد، يكتبه رجل واحد،
حتى لو كان من جبل النور، مكيّا،
أو كان من جبل الجليل، ناصريا.

* * * * * * *
لم يغادرِ السيّد هاني قومَهُ ولا تركَهَم،
إنما حاولَ أن يهاجرَ بهم من أرضِ التِّيه، بعد يقينٍ رآه،
وفي آخرِ أيامه كان يحاولُ أن يسترجِعَهُم من أرض التّيه
كلُّنا معاً كنا نحاول،
لكن التِّيهَ عميقٌ عميقٌ وبعيدُ المنبع.
أربعون عاماً وهو يقلّبُ الأحوالَ والأوراقَ والاحزاب
ينظرُ فيها ويتفحّصُها، يتذوّقُها، يجرّبُها،
حتى يعرف هو بنفسه، ولا يُعرَف له،
كان يريدُ يقينَه هو، لا يقينَ غيرِه،
فلا تقليدَ في اليقين ولا قائد في اليقين،
كلّ منّا له نفسٌ واحدةٌ وحسابٌ واحد،
لا تحتملُ هذهِ النفسُ الإعارةَ ولا الإجارة،
لم يكن السيّد هاني شقيّاً مع أحد، لكنه كان سيّد نفسِه
ليس كمجلس النوّاب، ولكن مثلَ كلِّ الأحرار،
لا أحدَ كمجلس النواب…! ومن لا سيّدَ له لا ربَّ له،
ونحنُ نبحثُ في لبنانَ عن مؤمنينَ بلبنان،
ونفرُّ بإيماننا من بيتٍ إلى بيت،
ونقرعُ كلَّ الأبواب،
وكلُّ الأبوابِ مفتوحة، مشرَّعةً إلى فضاء، إلى خِواء
ولكن لا أحد يستقبلنا،

فكلٌّ مُنصرفٌ إلى حزبِه،
وكلُّ حزبٍ إلى زعيمِهِم منصرفون

* * * * * * *
بالشيخ راغب يُذكِّرني السيّد هاني
وثلاثون عاماً تفصلُ بينَهما،
أطولُ من زمنِ الرسول،
أخٌ وشريكٌ كلٌ منهما،
إبنا ذاتِ الجِلدةِ وذاتِ البلدةِ أيضاً، ربما…
وقف الشيخْ راغب في بلدتِه، والعدوُّ أمامَه،
عدوُّ موسى وعيسى ومحمّد،
ولم يكنْ حتّى البحرُ وراءَه،
وإلى جانبِهِ ثلةٌ منَ الناس،
ممن كان يمشي بينهم ويأكلُ من طعامِهِم ويجلسُ في أسواقِهم،
ثلّةٌ من الأوّلينَ وليسَ من الآخِرِين،
وارتفعتْ روحُ الشيخِ، وانتصر،
ثم وقف السيّد هاني في بلده، والعدوُّ أمامَهُ
فتنةٌ وتفتيتٌ وجهلٌ وتيه
ولم يكنِ البحرُ وراءَه، فالبحرُ آمن،
ولكن بعضُ الغيلان،
ولكن هاني لم يصلِّ صلاةَ الخوف
بل صلاةَ الشجعان،
وإلى جانبِهِ ثلّةٌ،
ثلّةٌ من نفسِ الأوّلين، وثلّةٌ متّصلةٌ من الآخِرِين،
وارتفعتْ روحُ السيّد هاني، وانتصر
والثُّلّةُ تنتظر
فالصبحُ قريب.

· ألقيَت الكلمة في ندوة لتكريم الراحل السيّد هاني فحص الإثنين 1/12/2014

آخر تحديث: 7 ديسمبر، 2014 1:44 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>