الندوة التي عقدت مؤخرا في الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية، تحت عنوان «تفعيل دور الفلسفة في الجامعات اللبنانية»، لم تكن مجرد لقاء أكاديمي للبحث في كيفية اعادة إحياء تعليم الفلسفة في لبنان والعالم العربي، بل تخطت ذلك الى محاولات نظرية للإجابة على السؤال المتمحور حول موت الفلسفة واندثارها، في ظل ضمور النشاط الفلسفي والاستغناء عنه لمصلحة مجالات معرفية أخرى.
في الأساس، يستمد النشاط الفلسفي بقاءه و ديمومته من انطوائه على مبادئ ثابتة في العقل وغايات مستوطنة في التفكير، كما من قدرته على السريان في الزمن ومحاكاته التحولات الإنسانية وفق صيرورة منتظمة تهدف الى التقريب بين ما هو كائن و ما ينبغي ان يكون. فما يقال عن موت الفلسفة تدحضه ملازمتها للتفكير واقترانها بالأسئلة الكبرى حول مسيرة الإنسان ومصيره. فهي أم العلوم باعتبارها عالَما استيعابيا لأكبر حيّز ممكن من الواقع بمختلف تعقيداته، حيث من المفترض أن ينبثق عن ذلك كله رؤى تتكفل بحل مفارقات الحياة وردم الهوة بين الإدراكات والوقائع.
مما تقدم، لا يعود مبرراً الحديث عن موت الفلسفة أو أفولها، حيث تستمر بقدرتها على الربط بين الثابت والمتحول، والمواءمة بين الفكر والواقع. فهي تبقى حاجة، ليس لمجرد قدرتها على الخوض في الاشكاليات الصعبة، بل بجعلها الامور المعقدة أقل تعقيدا. غير ان ذلك، لا يتنافى مع ضرورة الاعتراف بركود المشهد الفلسفي في عالمنا العربي والاسلامي، بسبب انحسار الفلسفة التقليدية المتمحورة حول الوجود ومقولاتها المفرطة في التجريد، وأيضا بسبب غياب الإنتاج في الفلسفات العصرية المضافة الى العلوم الحية من قبيل: فلسفة العلم، اللغة، الدين، التاريخ، الأخلاق، السياسة.
فإذا كانت فلسفة الوجود قد أدت قسطها للعلى على مدى مراحل مختلفة من حياة البشر، فإن مشكلتها الراهنة تكمن في جمود موضوعاتها، وعدم توظيف منجزاتها كمعطيات حيوية في الحياة والمجتمع. أما الفلسفات المضافة، فهي نتيجة تطور العقل وإصراره على دور تقويم المعارف الأخرى والرقابة على كل ما يحيط به. ذلك ان رؤية العلوم الى موضوعاتها تختلف عن رؤية الفلسفة إليها. الرؤية الأولى جزئية ومباشرة ومن قبيل نظرة الشيء إلى ذاته، فيما الرؤية الثانية كلية وخارجية ودائمة على قاعدة نظرة «الآخر» الى «الأنا»… فكل «أنا» يحتاج الى «آخر» يتقوم به، ما خلا الفلسفة إذ هي بالنسبة إلى ذاتها «الأنا» و»الآخر» في آن. فعلى سبيل المثال، اللغة (بما هي علم) يقتصر دورها على البحث في جزئيات الصرف والنحو والبلاغة، فيما تبحث فلسفة اللغة في أصل وجود اللغة وعلل الكلام وغاياته.
يمكن القول ان تطور مسار الإنسانية مرتبط، في جانب أساسي منه، بتطور الفهم الفلسفي. انقطاع هذا الفهم يتلازم مع التخلف ويؤشر الى جمود المجتمعات وتراجعها. لهذا، ليست الجامعات العربية لوحدها بحاجة الى إعادة إحياء أقسامها الفلسفية، بل العقل العربي يحتاج أيضاً الى إعادة التفكير والإنتاج فلسفياً. فإذا كانت الحكمة النظرية هي ادراك الشيء كما هو، والحكمة التطبيقية هي الإتيان بالفعل كما يجب، فإن الثقافة العربية الراهنة، من حيث إحجامها عن انماط المعرفة المعمقة وتطبيقاتها، أحوج ما تكون الى الفلسفة بوصفها تنشد الحكمة في مجالي التفكير والممارسة.
قيل مرارا ماتت الفلسفة في لبنان والمشرق. هذا ليس صحيحا، فهي مثل السياسة، لا تموت..

http://assafir.com/Article/18/386916