هاني فحص: رجل الدين كما تتمناه النخب

سبعون يوماً مرّت على رحيل العلامة السيد هاني فحص. خطر لي أن أصنف أبرز ما افتقده بوفاته محبوه، عن طريق شهادات سجلها خمسة وسبعون منهم، من رجال دين وإعلاميين ومثقفين وكتّاب وشعراء وسياسيين، نصفهم ممن لا ينتمون إلى المذهب الشيعي، وبينهم أربعة عشر من العرب وأربع نساء.

اعتمدت في تصنيف أصحاب الشهادات المقتضبة على محاور اهتماماتهم المهنية والثقافية، وإن كان بعض هذه التصنيفات لا يُغطي كامل نسيج محبتهم للعلامة الفقيد. ونبادر إلى التأكيد أن هذه العينة موضوع تصنيفنا اليوم، لن تكون الأخيرة إذا ما أُتيح للكثير من الناس لاحقاً أن يسجلوا شهادات في مزايا أنسوا لها في حياة السيد، أو في مزايا أحبوا أن يروها في شخص رجل الدين الشيعي هذا، الذي أحرج بانفتاحه كل انغلاق على الطائفة، بهدف عزلها ومحاصصة التسلط باسمها وباسم الميثاقية. ها هو السيد قد قضى، وقضى معه أنموذج استثنائي، رجل الدين كما ترغبه المعارضات المتمدنة داخل الطوائف، وهو نموذج الفقيه المحاور والمناضل المُؤنس، الذي لا يفوِّت صلاة في أي من المعابد.
إن استثنائية نموذج السيد هاني فحص لا تعود فقط إلى كفاءاته الشخصية المميزة فحسب، وهي غير نادرة في محيط منشئه الفلاحي المتبسّط التديّن في جنوب اليسار والمقاومة خلال الستينيات، بل تعود إلى ألمعيَّته في الانتفاض على خمول التقليد في دور غالبية رجال الدين، من المفنجلين الوارثين لسلطان وثروات ومكتبات آبائهم في الجنوب اللبناني. ولذلك، لا يبقى أمام فقراء الوافدين من النجف إلا أن يعيشوا على عطايا البسطاء من المؤمنين. فكان أن خرج السيد على خمولية الدور والفقر إلى السياسة باحثاً في الأسباب والقضايا الكبرى، بعدما اكتشف أن مواهبه ليست لذلك الدور الاستعطائي. وبلغ في تجرّئه على الصفوف الأولى من المواجهات السياسية والمقاومة، ما كانت تنأى عنه غالبية أبناء البيوتات الدينية من حلفاء السلطات الأهلية، لناحية الجرأة في حضور السلطات الحكومية، وفي الحضور اللاحق للسلطة المذهبية الضاربة بعد الثمانينيات في جنوب لبنان وبقاعه والضواحي.
هكذا تجلت ألمعية السيد هاني وفدائيته خلال الستينيات والسبعينيات. فهو لم يوفر معارضة صعبة ولا ثورة في المشرق إلا وانخرط في ديوانها وفي رصد قياداتها ومواضع ضعفها وأسرارها، حتى أصبح خبيراً وصاحب مشورة في التعامل معها. ولم تتعطل ألمعية السيد بعد السبعينيات، اذ انخرط في خدمة الثورة الإيرانية وترك هذه المهمة بعدما تبلورت خيارات الحكومات الإيرانية في من تعتمد عليهم في لبنان، وعاد إلى الوطن لينشغل خلال التسعينيات وبعدها بتأسيس أطر نخبوية لحوار فكري مدني عابر للمذاهب، كثيراً ما اغتاظت منه الأحزاب المستثمرة في بورصة التحاصص المذهبي.
وفي العودة إلى مرثيات من افتقدوه، فإننا وجدنا من المفيد أولاً أن نوزِّعهم في فئات نصطلح على اعتمادها في تصنيف أولي، قد لا يكون أميناً على تغطية خصائصها داخل الفئة الواحدة كما يبرز في الجدول التالي:

الجنسية
فئات الراثين العدد لبنانيون عرب
رجال دين 5 4 1
إعلاميون 20 18 2
مثقفون 22 20 2
كتّاب 22 15 7
شعراء 3 3 –
سياسيون 3 2 1
المجموع 75 62 13
المرجع: مجلة شؤون جنوبية عدد تشرين الأول 2014
أما بشأن المزايا التي ذكرها أصحاب المرثيات في شخصية السيد هاني بالإضافة إلى المزايا التي أحبوا أن تكون في نموذجه لرجال الدين في لبنان، فإننا نوردها في الجدول أدناه بعدما قاربنا بين مقاصد أفكار المرثيات ودمجنا بينها، حتى تمكنا من حصر اختلافات تعابيرها بأحد عشر محوراً صنفناها كما يلي:

محاور مزايا السيد تكرار ورود المزايا محاور مزايا السيد تكرار ورود المزايا
في الحياة في كل محور في التفكير في كل محور
تجديد نهضوي 9 معاصر وحداثوي 22
في الفكر الإسلامي
محاربة الفتنة 12 عالم محاور ناقد 35
منهجي ومساجل
خروج من الجماعة 23 مزايا نفسية ذهنية 56
إلى حقوق الإنسان ومزاجية محركة
والمرأة للريادة
تواصل مع 17
الحركات والأديان
أديب وشاعر 25
مناصر للثورات 26
والمقاومة
الفلسطينية
مناضل من أجل 9
المواطنة والدولة
إيمان بالعروبة 2
المجموع 123 المجموع 113

في هذا الجدول، تبرز أولويات اهتمامات السيد هاني فحص التي يغلب عليها ميله الشخصي لمناصرة الثورات أولاً، يأتي بعده ميله المميز في الإنتاج الأدبي والشعري، ومن ثمّ ميله إلى الخروج على الانغلاق المذهبي باتجاه حقوق الإنسان والتواصل مع الحركات والأديان.
أما في مزايا نهجه الشخصي في التفكير كما لحظها أصحاب المرثيات، فقد غلبت بينها مزايا نفسية ذهنية ومزاجية لجهة الفكاهة والسخرية وشفافيته وعشقه للحياة الذي يتقصده العلمانيون، تأتي بعدها مزاياه كعالم محاور ناقد منهجي ومساجل، وتأتي أخيراً مزايا حداثيته ونقديته.

http://assafir.com/Article/18/386768

آخر تحديث: 28 نوفمبر، 2014 10:28 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>