لم يكن هاني فحص سبَّابةً مرفوعة*

هي تحيةٌ لطيفة، مُحبَّةٌ وصادقة، إلى إنسانٍ مِن أَظهَرِ سماته اللطفُ والمحبّةُ والصدق… إنسان هو – على مسؤوليتي – مِن أحّبِّ الخَلقِ إلى الخالق، لأنه – كما جاء في المأثور النبويّ – مِن “أولئك الموطَّئينَ أكنافاً، الذين يألَفون ويُؤلَفون”. كان هذا بلغةِ العرب قبل 1500 سنة، في مقام الوصل والتعارف والتبادل، لا بل في مقام الأُلفةِ والأُلَّاف. أما بلغة عصرنا، فهو مِن أولائك الذين يَعبُرون إليك من دون تأشيرةِ مرور، وتَعبُر إليهم من دون تأشيرةِ مرور!
والواقع أن هذه التحية من “صوت لبنان” قد جاءت في سياق تحيّاتٍ شكّلت ظاهرةً استثنائية لا يسعنا إلا التوقُّفُ عندها بتفكُّرٍ فرِح، رغمَ الأسف الشديد على رحيلِ قيمةٍ وقامة من عيار هاني فحص:
1- نتوقَّف اولاً أمام مشهد وداعه الأخير، حيث مشى إليه وطنٌ جميلٌ يشبهه، بكل ألوانه المختلفةِ المؤتلفة، فكان السيد، بلا جدال، من أولئك الذين مشى إليهم الشجر في بلادي!
2- نتوقَّف ثانياً أمام مبادرة الكثيرين، من مواقعَ ومشارب وشواغل وخياراتٍ متباينة، إلى نعيهِ فقيداً خاصاً بكلٍ منهم، هو الذي كان للجميع، ومتمايزاً عن الجميع، فأعلنوا بذلك ائتلافَهم فيه على اختلافِ ما بينهم!
3- نتوقَّف ثالثاً عند مجالس العزاء التي أقامها الناس الطيّبون في منتدياتٍ كثيرة من لبنان وبلاد العرب، حيث تبادلوا عبارات المواساة، قارئين فاتحة كتاب المسلمين او “الأبانا والسلام” لراحة نفس السيّد!
4- نتوقَّف أيضاً وخصوصاً عند كنيسة مار الياس – انطلياس، حيث اجتمع مسلمون ومسيحيون وما بين بين، فاستمعوا من داخل الكنيسة، عند قدمي سيّدها المعلّق على خشبة، والذي علّق الأرض على المياه – استمعوا إلى قرآنٍ رُتِّل على إيقاع نواقيس، ونواقيسَ قرعت على ترتيل قرآن، ثم رفعوا معاً وجميعاً صلاةً مشتركة كتبَ نصَّها هاني فحص بحبر الوحدة والتوحيد… فكان ذلك مما لا عين رأت!
5- نتوقَّف خامساً عند الاحتفال – العُرس الذي أقيم في قصر الأونسكو قبلَ ايام، حيث بدا كم أنَّ هذا الرجل عابرٌ لحواجز الأديان والأقوام والأوطان، وكم أنه في الوقت ذاته متجذّرٌ في إيمانٍ وفي قومٍ وفي وطن… كان هديَّتنا إلى الآخرين، كلِ الآخرين، إنما على شرطِ هاني فحص: “الآخرُ المختلف يكوِّنني مثلما أكوّنه… هو جزءٌ من تعريفي لذاتي… إنه شرطُ وجودي مثلما أنا شرطُ وجوده، في جَدَليةِ كمال الوجود”!
6- نتوقّف أخيراً وليس آخراً، وفي سياق الظاهرة ذاتها، عند سيلٍ من المقالات والشهادات في السيد هاني على أثر وفاته، ظهرت على صفحات الإعلام المكتوب وحده. أخبرني صديقٌ قبل أيام أنه جمع حتى تاريخه نحو 400 مقالٍ وشهادة. قال: وهذا غيرُ ما فاتني من الصحافة العربية والأجنبية، وغيرُ ألوف التعليقات والخواطر والتغريدات في مواقع التواصل الإجتماعي!
تلك هي بعض ملامح الظاهرة الإستثنائية التي أشرت إليها. ولكنَّ استثنائيتها لم تأتِ – في تقديري – من اتّساعها وقوة التعبير فيها. فلطالما شهدنا ظاهراتٍ أكثر اتّساعاً وأشدّ نبرة، عند رحيلِ كبارٍ من ذوي الجاه والثروة والسلطان والشوكة والنكاية والعصبية… وما كان صاحبُنا ذا جاهٍ أو ثروةٍ أو سلطان أو شوكةٍ أو نكايةٍ أو عصبية… كلا ولا حتى “مجلس عسكري” لآل فحص:
لا خيلَ عندك تُهديها ولا مال
فليُسعفِ القولُ إن لم يُسعفِ الحالُ!
والحال كذلك، فمن أين أتت إذاً استثنائيةُ الظاهرة “الهانئية”؟… لا أدّعي أني أملك جواباً شافياً، وإنما حسبي أجرُ المحاولة؛ وسأحاول في ما يلي:
لم يكن هاني فحص سبَّابةً مرفوعة، ينظر إليها قطيعٌ مستنفر كي يذهب يميناً أو شمالاً. كان قيمةً أصيلةً أصليّةً ومُضافة، يستشعرها كلُّ من اتّصل به على غير ضغينة، ولكنها لا تُحدِث هزّةَ اصطفافٍ فارقٍ مفارق!.. لماذا؟ أولاً لشدّة أُلفتها وسلاسة حضورها؛ إذ هي رفيقةٌ لمّاحةٌ غيرُ مزعزعة. ثانياً – وهو الأهمّ عملياً – أن الذين ألِفوه إلى حدّ التماهي لم يُحسنوا الائتلاف فيما بينهم – ولعلهم لم يدركوا تماماً أنَّ فيما بينهم ائتلافاً طبيعياً على نهج الاعتدال ومزاجه – فظلّوا أفراداً منفردين على كثرتهم الكاثرة!… “اضطُرَّ” هاني فحص لأن يغيب كي يدلَّهم على أنفسهم، وعلى أن اجتماعَهم ممكن!…
أشهد أن صاحبي ذهب وعلى شفتيه سؤال: هل يثبتُ المعتدلون في وطني جدارتهم؟… ولكنه ما كان سؤال الحائر المتحيّر… إذ إنَّ صاحبي المسكون بالسؤال إنما كان من كبار المسكونين بالرجاء، وكان لا يكفُّ عن الكرازة بحكمة الأمل: “من وثِقَ بماءٍ لا يظمأ!”.
آخر كلمات هاني فحص في هذا الكتاب الذي بين أيدينا (ص 151):
“اصبروا أيها المدنيون، اصبروا أيها الوطنيون، اصبروا ايها الديموقراطيون – وأضيف هنا على مسؤوليتي: اصبروا أيها الميثاقيون الدستوريون – المستقبل للاعتدال، المستقبل للديموقراطية، المستقبل للدولة المدنية الحاضنة الجامعة!”.

*بمناسبة توقيع كتاب “على مسؤوليتي”،
من كلام السيد هاني فحص،
الصادر عن إذاعة “صوت لبنان”.
لقاء وندوة 18/11/2014 – الأشرفية.
مداخلة محمد حسين شمس الدين.

آخر تحديث: 7 يونيو، 2017 11:06 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>