في رثاء فحص: «هاني…أقلني من رثائك»

من شقرا وجبشيت، الى نجف العراق حيث التقيا، جمع السيدين المراهقين حبّ المعرفة وتذوّق الأدب النفيس، لم يروِ عطشهما للعلم دراسة الفقه وعلم الأصول على أيدي كبار مجتهدي مراجع المذهب الجعفري في ذاك الزمان، فتوغّلا يستكشفان معاً عمق الفكر الانساني بتاريخه وفلسفته واجتماعه، مدركين أنّ تحصين الدين لا يكون إلا بإعلاء شأن العقل وتعزيز مداركه.

ولأنّ الأدب والشعر كانا فاكهة العقول، والواحة الغنّاء في دنيا حوزات النجف العلمية، تُعقَد في أنحائها حلقات ويتلاقح في أجوائها النثر والشعر والكلام البكر البليغ، فإنّه سرعان ما ذاع صيت السيّدين الشابين، لتحفل المناسبات الدينية والوطنية في العراق لاحقا بخطيبين منبريين ينثر فيها السيّد هاني فحص أدبه البليغ الغزير المتجدّد، ويتلو السيّد محمد حسن الأمين قصائده الغرّ الفياضة بمعانٍ جديدة سرعان ما يحفظها الذوّاقة المتأدّبون ويتداولونها فيما بينهم كأناشيد.

وقد كان عصر الجمعة الفائت يوما شاقّاً على السيّد محمد حسن الأمين وهو ينساب بخطى منكسرة حزينة ليعتلي منبر “الأونيسكو” راثيا أخاه السيد هاني* بقصيدة عصماء رائعة، تفجّرت عاطفة فيّاضة، قالها بعد طول انقطاع عن الشعر، فسالت مهجته فيها وانتظمت تتدفّق أحاسيسا بليغة تماما كما كان يحب أن يسمعها صديقه السيّد الراحل رفيق عمره هاني فحص.

 

هاني…أقلني من رثائك

لا لا أريد بأن أراك فقيدا                 قم واجلُ عن صدري الغيوم السودا

قم وارتحل بدمي وشقّ بمهجتي         قبراً وأوغل في حشاي بعيدا

واسكن شِغافَ القلب إنّ شغافه          عطشى فكُن مطراً لها ورعودا

وكُنِ الربيعُ كُنِ الصقيعَ كُنِ المدى     وكُنِ المُدى وكُنِ الخيالَ شَرودا

أنا هكذا أهواك خفقة جانحٍ               كسَحَ المدى وتجاوز المحدودا

أنا هكذا أهواك جرحاً دافقا              ضوءاً يضيف إلى الوجود وجودا

قلماً يخضّ الريح ثم يعيدها              حبراً يصاغ به البيانُ فريدا

قم واحتضن قلقي فكنتَ ولم تزل        حضني الذي آوي إليه شريدا

لا لن أصدّق أنّ نجمة حبّنا              انطفأت.. ولكن سافرت لتعودا

ستعود مثقلة بسحر غيابها               وتكون أنت العاشق المعمودا

**

هاني أعد شعري إلى لمعانه              وأعد إليَّ الشدوَ والتغريدا

فلقد صدِئتُ وصرتُ بعدك آلةً            وتراً ينزّ مواجعاً وصديدا

من أجل سمعك كان شعري هل ترى    ستعود من أسر النوى فيعودا

حسبي وحسبك نصف قرن كاملا        نتبادل الإبداع والتجديدا

لم يرضَ نثرك أن يُسفَّ ولم يكن        شعري أقلَّ توغلاً وصعودا

كنا معاً وترين يعزفنا المدى             يتباريان تأّلقاً وشرودا

نرضي الرياح العاصفات تقرّباً          ونغيض أزمنة الرماد صدودا

والله نعرفه ونرضى أننا                   لا نعرف التضييق والتقليدا

هاني أقلني من رثائك إنني                لا أستطيع بأن أراك فقيدا

وأحس أنك في عروقي في دمي        تجري وتملأه شذا وورودا

آخر تحديث: 26 نوفمبر، 2014 1:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>