ندوة حول كتاب العلامة فحص «على مسؤوليتي»

اقامت “اذاعة صوت لبنان” صوت الحرية والكرامة ندوة حول كتاب العلامة هاني فحص “على مسؤوليتي” في فندق لو غابريال – الأشرفيه تحدث فيه النائب السابق سمير فرنجية، الدكتور رضوان السيد والمفكر محمد حسين شمس الدين.

وحضر الندوة الرئيس أمين الجميل، وزير الاعلام رمزي جريج، النواب عبد اللطيف الزين، جان اوغاسبيان، أمين وهبة، منسق قوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد، نقيب المحررين الياس عون، النواب السابقون، ادمون رزق ، محمد يوسف بيضون، مستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور داوود الصايغ، رئيس المجلس الكاثوليكي للاعلام الأب عبدو ابو كسم وحشد من الإعلاميين.

بداية كلمة ترحيب من مدير عام اذاعة صوت لبنان سام منسى اعتبر فيها “ان هذا الكتاب لفتة امتنان وشكر للسيد فحص لأنه لم يفوت لمدة سنتين ونصف السنة حلقة واحدة حتى انه سجل قبل وفاته الحلقات الأخيرة التي استمرت بعد وفاته حتى 13 تشرين الثاني. وهذا الكتاب مساهمة متواضعة تهدف الى حفظ ورؤية هذا الرجل صاحب الفكر النير”، واوضح “ان الفضل في اطلاق هذا الكتاب يعود للرئيس الجميل غير البعيد عن فكر السيد فحص الذي اراد نشر ما تركه لنا السيد بالصوت ولم يكن مكتوبا”.

فرنجية
وتحدث فرنجيه فشكر اذاعة “صوت لبنان” والمشرف عليها، سام منسى، على نشر هذا الكتاب الذي يتضمن أحاديث ومقابلات أجرتها الإذاعة مع السيد هاني فحص. واعتبر إنها خطوة لافتة بمضامينها التواصلية في زمن استنفار العصبيات. وقد أشار الرئيس أمين الجميل في الإهداء الذي وقعه الى أهمية السيد في “زمن تتهدم فيه مجتمعات وتنهار فيه دول”، فيما ركز الصديق سام منسى في تقديمه للكتاب على “أهمية الحوار بحثا عما يجمع لتطويره وتأصيله، ومواجهة ما يفرق للاحتراز منه وتبديده”…

في هذا الكتاب شرح لمعنى الهوية اللبنانية وجمال هذا المعنى. فالهوية اللبنانية في تعليم السيد هاني هي هوية تحترم تعدد الانتماءات في المجتمع وتعدد المكونات في داخل كل واحد منا ، فلا تختزلها بانتماء واحد على حساب الانتماءات الأخرى. وهذا التعدد، يقول السيد، ” ليس جمالية شكلية، بل هو مضمون عميق. إنه أطروحة حملها لبنان، وهو قادر على حملها ولا يجوز أن يتوقف عن ذلك” .

الهوية اللبنانية كما فهمها على حقيقتها هي هوية تقيم عيشا مشتركا في داخل كل واحد منا وفي ما بيننا. وهي هوية تحترم فرادة الانسان وحقه في أن يكون سيد نفسه، فلا تنظر اليه مجرد عضو في جماعة لا يملك فيها حق المشاركة في تقرير مصيره.
خاض هاني فحص كل التجارب من جنوب لبنان الى ايران مرورا بفلسطين، ذهابا وإيابا، وكان له شجاعة الاقدام على استخلاص العبر والدروس منها، فتصالح مع نفسه وتصالح مع الآخر، مدركا أن اللجوء الى العنف، مهما تعددت الأسباب، لا يؤدي الا الى خراب عميم: تدمير الآخر وتدمير الذات.

بعد تلك التجربة والدروس التي استخلصها، ذهب السيد الى فكرة العيش المشترك والوسيلة التي اعتمدها كانت الحوار الذي شرع في تعلم وتعليم لغته ونشر ثقافته. والحوار في معناه الأول، يقول السيد، هو اكتشاف الذات في الآخر، ومعاونة الآخر على اكتشاف ذاته من دون إلغاء أي خصوصية… واعلن:”التقيت السيد في مطلع التسعينات، فتشاركنا في تأسيس “المؤتمر الدائم للحوار اللبناني” الذي عمل على تنقية الذاكرة من أجل طي صفحة الحرب وبلورة الأسس والمفاهيم التي تسمح بإعادة تأسيس عيشنا المشترك بشروط الدولة لا بشروط طائفة أو ميليشيا. والدولة المطلوبة بنظر السيد هي الدولة المدنية.

يقول: “أنا كرجل دين أريد الدولة من أجل الدين والمدنية معا، ومن أجل الدنيا والآخرة. وإذا ما بقيت فكرة الدولة مسكونة بالرغبة في انتاج الدين، وبقي الدين مشغولا بانتاج الدولة، فلن تكون النتيجة الا خرابا في الدين والدولة “.

ويضيف: “نحن بحاجة الى شيء أو كثير من تحرير الدين من الدولة والسياسة، وتحرير السياسة والدولة من الدين، أي الى دولة مدنية تحترم الدين ويحترمها. له اختصاصه ولها اختصاصها، وهذا لا يمنع الدين بل يوجب عليه أن يكون رقيبا أخلاقيا على الدولة، والدولة المدنية هي الضمان لتوازن النشاط الديني بين الدين والسياسة”.
كان يدرك السيد تمام الادراك “أن الفتنة أو الحرب الأهلية التي يحلم بها ويعمل لها النظام السوري تتفق مع رغبته في تسويق جرائمه، على اعتبار أن الحرب الأهلية، اذا وقعت، هي أخطر وأبشع من كل هذه الجرائم”. ورأى تفاديا للكارثة “أن من واجبه مصارحة ايران بأنها ملزمة ومضطرة الى التقاط اللحظة والمؤشر في دقة أكبر، خاصة في لبنان، وأن تتصرف بشجاعة وثقة لا بقوة فقط، وأن تبادر الى التشجيع والحماية والرعاية لحوار جاد، لا ينتظر نهايات الواقع المعقد في سوريا والحامل لكل الاحتمالات. في آخر نص أرسله السيد هاني من المستشفى الى المجتمعين في “لقاء سيدة الجبل”، دعا بحرارة الى قيام الدولة الآن وقبل فوات الأوان. قال: “المطلوب دولة، دبروا لنا دولة”. كان هذا نداؤه الأخير، بل صرخته الأخيرة.

السيد
وعرض الدكتور السيد في مداخلته المسهبة للمسائل الثلاث التي تحدث عنها العلامة فحص كثيرا وهي : النزاع السني الشيعي وكيف يمكن الخروج منه ؟ والمسألة الثانية ادارة الدين او السياسة، الدين قبل حركات التغيير وبعدها. والمسألة الثالثة: الدولة الدينية والدولة المدنية، او مستقبل العلاقة بين الدين والدولة في العالم العربي.تبدو هذه الموضوعات متشابكة ومتفاوتة لأنها جميعا معنية بالشأن الديني الإسلامي. بيد ان الرأي فيها يختلف بناء على تقدير الموقف وما هي العلاقات او الإمكانيات لإقامة علائق مختلفة داخل الأوطان العربية وفي العالم مع المسيحيين؟

وقد كان السيد هاني في الموضوعات جميعا اكثر مني تفاؤلا ربما لأنه اقرب الى الأرض. والأطول تجربة. لقد كنت ارى بن الدين انفجر بين الدول والمجتمعات والمؤسسات الدينية ومع اننا نحن العرب لم ننتبه لذلك الا اخيرا فإن هذا الإنفجار تمثل بإقامة سلطة دينية بايران بعد ثورة زاهرة في موازاة امارة استطاعت الإستيلاء على الدول في تغيير راديكالي لطبيعة المذهب الجعفري الإثني عشري، صعدت فكرة الدولة الدينية عند السنة منذ ما قبل القاعدة تمثلت اخيرا في دولة الخلافة… وبحسب رأيي هناك مساع حثيثة وناجحة احيانا لدى الشيعة والسنة لإقامة الدولة الدينية التي لم تحضر في فقه الطائفتين من قبل. وهذا نذير يبشر بسيطرة بقصد الإمتداد وقد سمى الإيرانيون ذلك تصديرا للثورة وهو تصدير ضرب حتى الأن او اوشك اربع او خمس او ست دول عربية. ولكن آثار الإنفجار السني يبقى افظع بسبب ضخامة هذا الإسلام في آسيا وافريقيا وغيرها من المهاجر…

مداخلة شمس الدين
واعتبر شمس الدين ان هذا الكتاب تحية لطيفة، محبة وصادقة، إلى إنسان أظهر سمات اللطف والمحبة والصدق…ورأى أن هذه التحية من “صوت لبنان” قد جاءت في سياق تحيات شكلت ظاهرة استثنائية لا يسعنا إلا التوقف عندها بتفكر فرح، رغم الأسف الشديد على رحيل قيمة وقامة من عيار هاني فحص.

وتوقف أمام مشهد وداعه الأخير، حيث مشى إليه وطن جميل يشبهه، بكل ألوانه المختلفة المؤتلفة، فكان السيد، بلا جدال، من أولئك الذين مشى إليهم الشجر في بلادي! كما توقف أمام مبادرة الكثيرين، من مواقع ومشارب وشواغل وخيارات متباينة، إلى نعيه فقيدا خاصا بكل منهم، هو الذي كان للجميع، ومتمايزا عن الجميع، فأعلنوا بذلك ائتلافهم فيه على اختلاف ما بينهم. وتوقف ايضا عند كنيسة مار الياس – انطلياس، حيث اجتمع مسلمون ومسيحيون وما بين بين، فاستمعوا من داخل الكنيسة، عند قدمي سيدها المعلق على خشبة، والذي علق الأرض على المياه استمعوا إلى قرآن رتل على إيقاع نواقيس، ونواقيس قرعت على ترتيل قرآن، ثم رفعوا معا وجميعا صلاة مشتركة كتب نصها هاني فحص بحبر الوحدة والتوحيد… فكان ذلك مما لا عين رأت! ولفت الى الاحتفال-العرس الذي أقيم في قصر الأونسكو قبل ايام، حيث بدا كم أن هذا الرجل عابر لحواجز الأديان والأقوام والأوطان…

واعلن:”لم يكن هاني فحص سبابة مرفوعة، ينظر إليها قطيع مستنفر كي يذهب يمينا أو شمالا. كان قيمة أصيلة أصلية ومضافة، يستشعرها كل من اتصل به على غير ضغينة، ولكنها لا تحدث هزة اصطفاف فارق مفارق.. لماذا؟ أولا لشدة ألفتها وسلاسة حضورها؛ إذ هي رفيقة لماحة غير مزعزعة. ثانيا – وهو الأهم عمليا – أن الذين ألفوه إلى حد التماهي لم يحسنوا الائتلاف في ما بينهم – ولعلهم لم يدركوا تماما أن في ما بينهم ائتلافا طبيعيا على نهج الاعتدال ومزاجه – فظلوا أفرادا منفردين على كثرتهم الكاثرة… “اضطر” هاني فحص لأن يغيب كي يدلهم على أنفسهم، وعلى أن اجتماعهم ممكن…

أشهد أن صاحبي ذهب وعلى شفتيه سؤال: هل يثبت المعتدلون في وطني جدارتهم؟… ولكنه ما كان سؤال الحائر المتحير… إذ إن صاحبي المسكون بالسؤال إنما كان من كبار المسكونين بالرجاء، وكان لا يكف عن الكرازة بحكمة الأمل: “من وثق بماء لا يظمأ!”.
آخر كلمات هاني فحص في هذا الكتاب الذي بين أيدينا (ص 151):”اصبروا أيها المدنيون، اصبروا أيها الوطنيون، اصبروا ايها الديموقراطيون – وأضيف هنا على مسؤوليتي: اصبروا أيها الميثاقيون الدستوريون – المستقبل للاعتدال، المستقبل للديموقراطية، المستقبل للدولة المدنية الحاضنة الجامعة.

آخر تحديث: 19 نوفمبر، 2014 7:14 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>