هل يفعلها أوباما ويقفز فوق خط أحمر جديد، في إيران هذه المرة؟

“هناك اتفاق في متناول اليد.. نحن لا نطلب ضمانات أمنية، ولا أموال، نحن ببساطة لا نطلب من الولايات المتحدة الا اتفاق يؤدي في نهاية المطاف الى إزالة العقوبات “. بهذا الوضوح تحدث قبل فترة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف. هو يعلم جيدا أن الطلب، على “بساطته“، صعب التنفيذ. الا انه غير مستحيل بالنسبة لادارة اوباما على ما يبدو، إذا ما استُبدلت كلمة “إزالة العقوبات“، بتعليقها.

قبل أشهر لم يكن الامر واردا، على الاقل في بال المتابعين والمحللين. فاتفاق يعطي إيران حق التخصيب ويضعها في مصاف الدول النووية، كان، وما زال، مرفوضا من الرأي العام الاميركي والكونغرس. وهو صاحب السلطة في انهاء العقوبات. غير أن هامش الحرية المُعطى للرئيس الأميركي في السياسة الخارجية، يتيح له تخطي “عقبة الكونغرس“، إذا ما رضي الايرانيون بتعليق للعقوبات بدل الغائها، مرحليا على الأقل.

وزارة الخزانة الاميركية، وفي دراسة اجرتها مؤخرا، برّرت لاوباما تجاوز الكونغرس. اذ قالت إن أي اتفاق محتمل مع ايران بشأن برنامجها النووي، لا يعتبر معاهدة، وبالتالي فان اقراره لا يحتاج الى تصويت في مجلس الشيوخ. الدراسة اتت بعد حديث انتشر بقوة عن نية أوباما التوصل الى تسوية مع ايران، دون العودة الى الكونغرس. ما أثار حفيظة مشرعين كثر ينتمون الى المعسكرين الجمهوري والديمقراطي. وكان التشكيك بمحتوى “الصفقة المحتملة“ سيد الموقف. فلو لم تكن “سيئة“لما كان أوباما يتجنب عرضها“، كما قال احدهم.

الصفقة التي لم تر النور بعد (وقد لا تراه)، تتضمن بحسب تقارير صحفية، اعترافا بحق ايران في تخصيب اليورانيوم لاهداف سلمية، مع تعهدها بعدم القيام بأية تطبيقات عسكرية. بالترافق طبعا مع فرض رقابة على هذا البرنامج.  رقابة قد تكون مستحيلة عمليا، اذا ما استذكرنا كلاما سابقا للمندوب الأميركي، جون بولتون، بما معناه، أن ما خفي من نشاطات نووية ايرانية، أعظم مما يمكن أن تراه عين الاستخبارات الاميركية. فما بالك بعين مراقبين لم تسمح لهم ايران حتى الساعة بالتنقل بحرية بين منشآنها. هذا مع العلم ان الوكالة الذرية اشتكت على لسان مديرها العام، يوكيا امانو، من عدم تطبيق إيران لاجراءات الشفافية التي تعهدت بها في اطار اتفاق التعاون الاخير.

من هنا أتى وصف الصفقة المحتملة ب“المعيبة“. فهي تعطي ايران الكثير مقابل لا شيء، برأي وزير المخابرات الاسرائيلي، يوفال شتاينيتس. وهو نشر مقالا في النيويورك تايمز، طالب فيه الرئيس الأميركي بالالتزام بما أعلنه سابقا من أن “لا صفقة مع إيران أفضل من صفقة سيئة“. ولكن رغم تلازم المسارات والالتزام الايديولوجي، الذي يطغى أحيانا على المصالح بين أميركا واسرائيل، هل يتجاهل أوباما هذه الانتقادات والدعوات، متخطيا من جديد خطا أحمر رسمه بنفسه؟

سيطرت فكرة عقد “صفقة كبرى“ مع ايران على ذهن أوباما منذ تنصيبه، بحسب عميل سابق للسي آي ايه داخل الحرس الثوري الايراني ( نقلا عن الواشنطن تايمز). ومن هنا، ارتدى قفازات حريرية لم تمنعه من الاستمرار في خنقها اقتصاديا في الداخل، واستنزافها بحروب في الخارج فيما بعد،( سوريا تحديدا). الهدف طبعا كان التوصل، في نهاية الأمر، الى اتفاق، دون الحاجة الى القيام بأية ضربة عسكرية. اتفاق يضيفه الى سجل أراده حافلا بالانجازات، بعدما تعزز في بداية ولايته الاولى بتلقي جائزة نوبل للسلام.

الوقت الذي امضاه اوباما سيدا في البيت الابيض مرّ ويمرّ سريعا، رغم الولاية الثانية. في المقابل، ست سنوات أو ثمان أو أكثر، هي نسبية بالنسبة للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وللسياسة الايرانية القائمة كما هو معروف على النفس الطويل. الضغوط الاقتصادية كانت فعالة، واتعبت المواطن والاقتصاد الايراني، لكنها لم تكن كافية “لرفع الراية البيضاء“، حتى الآن على الأقل. وبعد أكثر من عقد على بدء المحادثات الغربية مع ايران بشأن برنامجها النووي، ما زال بعيدا، احتمال التوصل الى اتفاق “مُرض“ لجميع الاطراف،  قبل نهاية مهلة محددة اواخرا الشهر المقبل.

هل بدأ الصبر الغربي ينفد؟ الرئيس الايراني حسن روحاني غمز من هذه القناة حين قال قبل فترة، إن “العالم تعب ويريد التوصل الى حل عبر التفاوض.. واذا تأمنت المرونة اللازمة.. يمكن التوصل الى اتفاق طويل الأمد .. يخلق بيئة تتيح التعاون في مكافحة العنف والتطرف على المستويين الاقليمي والدولي“. إذا، إيران وضعت على لسان مرشدها الأعلى خطوطا حمر أمام المفاوض الإيراني  في فيينا، أبرزها عدم تناول المباحثات أي ملف آخر. في حين انها “لوّحت بجزرة” في مكان آخر، فهل تنجح المقايضة؟

يتخوف البعض، كما أسلفنا، من ان تكون المقايضة قد قطعت اشواطا تحت عنوان “النووي مقابل داعش“. لكن المنطق يقول ان في ذلك بعض المغالاة. فاوباما لن يستفيد كثيرا اذا كسب ايران في حربه على داعش، وخسر حلفاءه الآخرين من دول“سنيّة” تتخوف من المد الإيراني في المنطقة. والكونغرس، لن يقف مكتوف الايدي اذا ما مرر الرئيس الاميركي بالفعل اية صفقة او تسوية من تحت ناظريه. خياراته عديدة، قد تبدأ بالتصويت للتخلي عن الصفقة ولو رمزيا، ولا تنتهي بالمطالبة بفرض عقوبات جديدة. دون ان ننسى اسرائيل، أو نغفل حسابات الدول المشاركة في محادثات فيينا.

على ضوء كل ذلك، دعونا ننظر الى احتمالات ما يمكن حدوثه في الرابع والعشرين من الشهر المقبل، تاريخ انتهاء المهلة الممنوحة لكي تصل مفاوضات فيينا الى اتفاق:

اولا: أن تحدث معجزة في التوصل الى اتفاق يرضي الجميع.

ثانيا: انت تنتهي على “لا حل“ يترافق مع إعادة فرض للعقوبات بدل تخفيضها، وهذا قد يكون مستبعدا في ظل “طلب الود الاميركي“ من ايران للمساعدة في محاربة داعش، عدا عن تحاشي استفزازها في سوريا.

ثالثا: التوصل الى نوع من “أنصاف الحلول“، يتم التوقف خلال الاتفاق عليها عند عدد الطرود المركزية التي يمكن ان يُسمح بها، وسقف التخصيب وازالة مزيد من العقوبات، فيما تبقى أمور أخرى عالقة مثل مصير “أراك“  و“فوردو“.

رابعا: أن يتم الاتفاق على إعطاء مهلة إضافية جديدة، تتواصل خلالها المحادثات.

بين كل ما تقدم، قد يشكل الاحتمال الأخير الخيار الأسهل. ذلك انه يتيح لأكثر من طرف إمساك العصا من النصف، ورسم“انتصارات على قياسه“. الا إذا انتصر أحد الاطراف فعلا على الآخرين، وقلب الموازين.

http://joumananammour.com/?p=590

آخر تحديث: 22 أكتوبر، 2014 9:46 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>