حول تنظيم داعش: أصوله والروافد

خرج تنظيم داعش من رحم أنظمة الاستبداد وبسبب بطشها ازدهر وانتفخ. بيد أنه لن يزول إلا بزوال الاستبداد باشكاله كافة، والحل العسكري وحده لن يسقطه، بل المطلوب مشروع سياسي يجفف منابع الاستبداد فيسقط معه داعش واخواته نهائياً.

يرافق الضجيج حول ظاهرة “داعش”، كتابات ونقاشات، تعيد اسباب سلوكياتها المتطرفة الى الافكار الاصولية، وصولا الى ما يتضمنه القرآن والاحاديث النبوية. ويساق في هذا الاطار مضبطة اتهامية تشير للآيات القرآنية التي تتضمن عبارات تشجع على القتل والعنف وصولاً الى سردها لما يقطن الثقافة العربية، الكلاسيكية منها والشعبية، سلوكيات تعزز نهج ثقافة الموت.
فان بذلك اغفال غير متعمد، ربما، من اصحاب هذا الطرح، للحظة التاريخية التي ولد فيها الفكر الاصولي. وبالتالي تبرئة، غير متعمدة ايضاً، للقوى السياسية المتحكمة بحركة التاريخ الحالية، والمتحكمة ايضاً بتركيبة اطراف النزاعات وتحديد ادواتها ورسم ادوارها وتحويل من يلزم منها الى اوراق للمقايضات في اسواق النخاسة السياسية.
بصرف النظر عن هالة الكتب المقدسة، فان تسليط الضوء على النصوص القرآنية او على الاحاديث النبوية، يبقى محكوماً لمرحلة ولادتها. والاَّ كيف نفسر انه بعد فترة وجيزة من ضهور الاسلام، وفي فترة توهجه، تحديداً عند بدايات العهد الاموي حيث لم يبق من تعاليم القرآن سوى مخطوطات لآيات مكتوبة بخطٍ جميل ومعلقة على جدران قصور الخلفاء، بينما هؤلاء يوطدون زمام سلطانهم باسم الدين. فالعقيدة كانت وما زالت وسيلة للوصول للسلطة، وفيما بعد للتحكم بالبلاد والعباد، وهذا يسري على الاديان والعقائد مجتمعة.
وبالتالي، هل كانت ثورة لينين البلشفية في روسيا، وبعد ما يقارب المائة عام على نشوئها، ثورة لتحقيق الايديولوجية الشيوعية ام ان العقيدة كانت وسيلة لانتزاع السلطة من القياصرة واقامة سلطة اخرى؟ وبصرف النظر عن تقييمنا للسلطة التي حكمت روسيا على اثرها، وكذلك بغض النظر عن النقاش الذي دار تالياً حول سبب انهيار الانظمة الاشتراكية، النظرية ام اشكال تطبيقها. فهل ان ما ساد في المجتمعات تلك، هو حكماً يستند الى فكر كارل ماركس، ام انها، ومنذ لحظة انتصار الثورة، تحولت شعارات حامليها لحكم روسيا وامتداداتها، بطبائعهم الروسية الموروثة، ضمن نهج هم قرروا طريقة ممارسة السلطة وفق مصالحهم السلطوية ومصالح الامبراطورية المترامية، وصاروا اتباعها اوراقاً تستخدمهم لصالح نفوذها الكوني؟ وتباعاً سادت الديكتاتورية كصيغة لاستمرار حكم الزعيم والحزب القائد.
الا ينطبق ما سلف عن روسيا، على الثورة الخمينية في ايران؟ التي اضحت شعاراتها الاسلامية، بعد فترة وجيزة على انتصارها اداة لحكم شمولي، والى مشروع لتعزيز دور الامة الايرانية بين الامم، وخدمة للأحلام التاريخية للامبراطورية الفارسية في الاقليم. وصارت مقولة تصدير الثورة هي غطاء لتعزيز مصالح الجمهورية الاسلامية الخاصة. وهنا لا بد من الاشارة الى ان انتصار الثورة الايرانية شكل نفخاً قوياً في بوق التشدد الاسلامي، شيعة وسُنة.
ثم ما علاقة الفكر الاسلامي الاصولي بتطوع الاسلاميين المتشددين، افواجاً افواجا، لقتال السوفيات في افغانستان في ثمانينات القرن المنصرم واهمالهم لفلسطين وللقدس؟
لكن القيمين على المتشددين استعانوا بالشعارات الدينية الاصولية لتعبئتهم ولتحريضهم على قتال الالحاد الشيوعي دفاعاً عن الدين، فيما لا الروس دخلوا افغانستان لنشر الفكر الالحادي ولا مشغليهم الغربيين حرصاء على الدين الاسلامي. كل ما في الامر ان الصراع انعقد بين اميركا وروسيا في نقطة افغانستان على المصالح بين العملاقين.
ناهيك عن بروز القضية القومية العربية على خلفية اغتصاب فلسطين، وفي الجهة المقابلة اقيمت دولة اسرائيل بشعارات دينية يهودية كوسيلة، بينما في حقيقة الامر، ان قيام الكيان الغاصب، كان قراراً اوروبياً غربياً على خلفية ما حلَّ باليهود خلال الحرب العالمية الثانية، من جهة ومن جهة ثانية، للتخلص من شرورهم هناك.
بيد ان التيارات القومية العربية، بعثية وناصرية وغيرها، تنطلق بزخم منقطع النظير، مستندة الى ايديولوجيات تدعو للوحدة العربية وتتبنى القضية الفلسطينية، فتتحول فلسطين الى ورقة والوحدة العربية الى غطاء لسيادة انظمة استبدادية لم يعرف التاريخ مثيلاٌ لها، وتتوالى المعارك والصراعات، فيستخدمون كل ما كسبوه من فنون اسلافهم باستخدام العقيدة والشعارات الغوغائية، لهدف واحد اوحد هو بقاء سلطة القائد المفدى.
وها هو داعش كوريث شرعي للقاعدة وغدا لا ندري ما هو الاسم الذي سيعتمد لاستخدام الدين في الصراعات السياسية. وهنا لست في سياق ابراء الاديان ولا ادانتها بهذه المقالة ولا بهذه العُجالة، بل لنستنتج ان الايديولوجيات كانت على الدوام غطاء لهدف سياسي آني، تلجأ له قوى سياسية واضحة المعالم والاهداف. وبالتالي فان داعش وسائر روافده وفروعه واصوله، سُنة وشيعة، وما يقابلها عند المسيحيين واليهود، هم قوى غب الطلب. لقد خرج تنظيم داعش من رحم أنظمة الاستبداد وبسبب بطشها ازدهر وانتفخ. بيد أنه لن يزول إلا بزوال الاستبداد باشكاله كافة، والحل العسكري وحده لن يسقطه، بل المطلوب مشروع سياسي يجفف منابع الاستبداد فيسقط معه داعش واخواته نهائياً.
ثم ان الحري بكل حريص على وضع حد للتطرف ان لا يحيل تصرفات هؤلاء الارهابيين الى بعض النصوص الدينية، لا سيما ان شرقنا يشهد بصيصاً لولادة، ولو متعسرة، ولديمقراطية حديثة، ولبروز قوى تغييرية غير مؤدلجة، ولأفول عصر التوتاليتارية والديكتاتورية، والى بداية تغيير في طبيعة المجتمعات، من مجتمعات دينية الى مجتمعات مدنية حيث سنشهد نهضة جديدة مغايرة تماماً عن سابقاتها على الصعد المختلفة، علمية واقتصادية وثقافية. وما يتطلبه الامر سوى صبراً استراتيجياً.

آخر تحديث: 17 أكتوبر، 2014 11:23 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>