تحقيقات مالية داخل حزب الله: المسألة طويلة ومعقّدة (3/3)

في الجزء الثالث والأخير من هذا التقرير عن التحقيقات المالية داخل "حزب الله"، نكشف كيف أنّ "قيادات عسكرية" داخل الحزب لم يستطِع التحقيق الوصول إليها، لأنّها "تحمل أعباء ومسؤوليات قتالية في سورية والاقتراب منها قد يؤذي كثيرين على أرض المعركة". وهنا حائط جديد مسدود بعد جدران كثيرة منعت الاقتراب من كثيرين.

في الجزء الثاني شرحنا كيف أنّ كثيرين تنصّلوا من التحقيقات بحجّة الحصول على هدايا من متعهّدين أو مغتربين أو أغنياء، مقابل خدمات “سلطوية” لا اختلاس فيها ولا سرقة، بل فقط “استغلال نفوذ”. وذلك في سبيل تقوية العلاقات الاجتماعية والولاء لحزب الله، وذلك قد يكون في مصلحة “حزب الله” وليس ضدّ مصلحته بالضرورة.
لكنّ تحقيقات كثيرة أفضت إلى توقيف بعض الحزبيين، إن كانوا مسؤولين كباراً أو مسؤولين عن ملفات صغيرة. مثل أن يكتشف المحقّقون أنّ المسؤول عن شراء الرمل أو الحديد أو غيره، في مشاريع حزبية، قد اختلس ما يقارب 100 ألف دولار خلال 10 سنوات.
هذا المختلس يعجز عن إثبات أنّه لم يختلس، بالأرقام والمعطيات. فيكون العقاب السجن لسنتين مثلا. ولا يعرف أحد أنّه مسجون. إذ يغيب من الاثنين إلى الجمعة في السجن، ويعود في نهاية الأسبوع إلى عائلته، أو يغيب لشهرين متواصلين، ويتّصل بعائلته هاتفيا كلّ 10 أو 20 يوماً، ليحكي عن بطولاته “في سورية”، على اعتبار أنّه “يقاتل في سورية”، وذلك لمنع الفضيحة ولمنع تشويه صورة “حزب الله” على أنّه حزب “مليء بالسارقين”.
آخر قد يتبيّن أنّه مسؤول عسكريّ في سوريا. وأنّه خلال إمساكه بملفّ مالي قبل التحاقه بالقتال في سورية، كان قد اختلس 50 ألف دولار واشترى بها شقّة مثلا. لا تسمح القيادة للمحقّقين بمواجهته. فهو “إذا قال إنّه نام أثناء الحراسة في سورية قد يقتل 20 شابا بضربة إنتقامية واحدة”، بحسب مصدر من داخل “حزب الله”. وبالتالي فإنّ ما تفعله القيادة هو نقله تدريجياً من موقع قيادي ومسؤول إلى موقع لوجيستي في سورية. على اعتبار أنّه “يلزمه الراحة”.
ثم تنقله بعد شهرين من الموقع اللوجيستي إلى موقع متأخّر في لبنان. بعدها بشهرين، على سبيل المثال لا الحصر، يُنقَل ليتسلّم ملفا مدنيا في بيروت. ثم يتسلّم ملفا اجتماعيا أو سياسيا. وتكون قد مضت أشهر أو ربما سنة على اكتشاف اختلاسه. وبالتالي تصير المعلومات الأمنية والعسكرية التي يملكها “بلا قيمة” تقريبا، بمرور الزمن، ومن خلال العمل الأمني الدؤوب لجعل معلوماته بلا قيمة أمنية أو سياسية. ثم بعدها ربما يكون “الفصل” أو “الطرد” أو الاستغناء عن الخدمات. وهكذا تَأمَن القيادة شرّه وتجعله خارج الحزب من دون ضمانات ولا تعويض، أو مع تعويض أو مع تأمين عمل بديل له رأفة بعائلته وليس به، وكلّ ذلك بحسب قرار القضاء المختصّ، وبحسب التهمة والحكم، وبحسب علاقاته مع القيادات الحزبية الفاعلة والمؤثّرة.
مسرّبو المعلومات يتحدّثون عن أحكام أكثر قسوة. ففي التصريح عن “الاستشهاد وهو يقوم بواجبه الجهاديّ” الكثير من “الهُلامية”. بعض الذين تمّ التحقيق معهم أوصلت الخيوط ربّما إلى “التعامل” مع الأعداء، من إسرائيليين أو أميركيين أو غيرهم. بعضهم تمّ استعمالهم في اللعبة الاستخباراتية المضادّة، لإيصال معلومات وهمية وكاذبة وآخرون ربّما يكونون قد حُكِمَ عليهم بالإعدام. وفي العلن “استشهد أثناء تأدية واجبه المقدّس”. وهذا ثابت على الأقلّ مع أحد الذي اكتشفت عمالتهم قبل سنوات، لكنّه ليس مثبتا بسبب تحقيقات مالية، على الأقلّ حتّى هذه اللحظة.
هذه “التخريجة” تحفظ ماء وجه عائلته. قد يكون أبناؤه وزوجته أو أخوته وأصدقاؤه، في جسم الحزب. ولا ذنب لهم بتسويد صورهم في محيطهم الاجتماعي. وبالتالي الأفضل هو الإعدام بسريّة مطلقة، وتستمرّ العائلة في قبض المخصّصات الشهرية والاستفادة من التقديمات الحزبية، وتُعلّق صور الراحل على أنّه “شهيد” من شهداء الحزب في الشوارع.
في الختام قد تكون هذه التحقيقات من أكثر الأمور إيجابية التي قامت بها قيادة “حزب الله” في السنوات العشرة الأخيرة. والأمل أن تفضي إلى تنظيف جسم الحزب من المختلسين والسارقين والزعران، لأنّ المقاومة لا تكون إلا بالفقراء إلى ربّهم والزاهدين بالدنيا، لا بالمتلهّفين إلى النفوذ والمال، وقد باتوا كثيرين في “حزب الله” وبيئته، كما في الأحزاب اللبنانية كلّها.

إقرأ الجزء الأول: تحقيقات مالية داخل حزب الله: من أين لكم هذا؟ (1/3)

إقرأ الجزء الثاني: تحقيقات مالية داخل حزب الله: رؤوس أمنية وسياسية (2/3)

آخر تحديث: 14 أكتوبر، 2014 1:52 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>