من هو إبن اللّذين؟

ينشر موقع جنوبية مقالا نقديا ساخرا اجتماعيا وسياسيا يكتبه الشيخ بلال موّاس، من وحي يومياتنا والأمور الّتي تصادفنا يومياً، ولها علاقة بالنسيج اللبناني الاجتماعي. والمقال هذا الأسبوع عن "أبناء السياسيين" اللبنانيين.

على الأغلب، إبن الدكتور دكتور، وإبن المهندس مهندس، وإبن النجار نجار، وإبن المحامي محامي، وهكذا. وحده السياسي كسر هذه القاعدة، فابن السياسي قد يكون نجّاراً وقد يكون طبيباً وقد يكون محامي، وقد يكون مهندس طبعاً إلى جانب كونه سياسي، فهذا أمر بديهي طبيعي تفرضه قوانين الحياة والفطرة الكونية السائدة في هذا البلد الصغير. بمعنى أن السياسي يربي إبنه أنه سياسي منذ نعومة أظفاره حتى إذا كبر واخشوشنت تلك الأظافر، غرسها في أكتاف الشعب ولا يمنع هذا الأمر من أن يكون قد درس الطب أو الهندسة أو غيرهما، على صحة السلامة!
فمنذ عهد الاستقلال، في أول مرة شممنا رائحة جمهورية مستقلة تسمى لبنان، ظهرت عائلات سياسية حينها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر على التوزيع التالي:
كان المعتقلين حينها في قلعة راشيا: بشارة الخوري، رياض الصلح، كميل شمعون، عادل عسيران، سليم تقلا، وعبد الحميد كرامي.
وكان النواب الذين استطاعوا الوصول إلى المجلس بعد حصاره من الفرنسيي: سعدي المنلا، هنري فرعون، صائب سلام، رشيد بيضون، محمد الفضل ومارون كنعان .
وكان الرئيس المعين من المفوض السامي حينها: إميل إده.
وكانت الحكومة المؤقتة التي كانت تواجدت في بشامون، مؤلفة من: مجيد أرسلان وحبيب أبو شهلا.
وكان رئيس مجلس النواب حينها: صبري حماده.
واستمرت هذه العوائل ونكرر – على سبيل المثال لا الحصر – في التعاقب على الحكم في لبنان، ونبتت عوائل أخرى ودخلت في نفس اللعبة الوراثية فإما هو شخصياً وإذا مات فإما أخيه وإما أبيه وإما إبنه وإما زوجته وإما جاره وإما سائقه إن كانوا من نفس العائلة، ولكن المهم أن يبقى الاسم موجوداً والأهم أن هذه المجموعة من الأسر التي لا زالت حتى اليوم باستثناء القلة القليلة منها تكتم على أنفاسنا، وتستمر بحكمنا ولا زال البلد ماليا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا واجتماعيا يتراجع إلى الخلف بسرعة الضوء.
غيرنا كل شيء، غيرنا قوانين إنتخابية غيرنا رؤساء جمهوريات غيرنا رؤساء حكومات غيرنا نبيه بري صاحب الوكالة الحصرية بكرسي رئاسة المجلس النيابي والوضع إلى الوراء در، وإلى الخلف سر.
نعيّب على بعض الدول العربية أو الغربية وجود “أسرة” حاكمة، ولكن ماذا نقول وعندنا “أسر” حاكمة؟ ربما لا يوجد في العالم الغربي كله، من ورث السياسة عن أبيه سوى جوج بوش الابن عن جورج بوش الأب مع وجود فترة رئاسية بينهما، وهيلاري كلينتون عن زوجها بيل كلينتون ولكن بعد حين وحسب ترشيحات حزبية معقدة يستحيل أو يكاد يستحيل أن يتدخل أي عامل أسري أو وراثي لهذا الاختيار. أين أبناء رؤساء فرنسا أو ألمانيا أو أسبانيا أو أمريكا أو روسيا أو تركيا؟ هل سمعنا عن خوض أحد أبنائهم أو أخواتهم أو أي من أفراد أسرهم غمار السياسة ؟
متى يمكن أن يقرر الشعب اللبناني أن يقاطع كل الإرث السياسي وهل هناك أصلا ما يسمى بإرث سياسي؟ أليس لكل امرئٍ مكانته المعنوية واستقلاله الفكري ومخططه الذي قد يقنع غيره وقد لا يفعل؟ هل إذا كان هناك طبيب ماهر، فلا بد أن يكون إبنه ماهر مثله؟ من الذي قرر أن السياسي الناجح سيورّث النجاح لابنه الذي عادة ما يكون شبيهاً للطفل الذي حصل على غرفة مليئة بالألعاب فجأة أو كالفتى الطائش الذي ورث في غمضة عين حساب والده البنكي، فبدأ يبعثره ذات اليمين وذات الشمال.
بالله عليك أيها الشعب العظيم، أخبرني كيف تقبل أن تكون إرثاً يتناقله السياسيين ضمن ميراثهم العائلي، مات الأب فورث ابنه ماله وسيارته وقصوره وجمهوره!
مات الزعيم فتم الإعلان من المحاكم الشرعية أنه ثبت لديها بالوجه الشرعي انتقال محبي وأتباع الزعيم الراحل إلى أخيه حيث أنه لا وريث لهم سواه من هذه الأسرة!
مات الزعيم وزوجته حيّة، فطُبق الشعار المحبوب لدى الجميع: “بتحب الزعيم؟؟ حب مرته !!”
مات الزعيم، ولا أخ له ولا إبن له، “فإذا مش إبنه، بنته، ليش لاء؟”.
مات الزعيم، وربما لم يمت، ولكنه أحب أن يُظهر وريثه من الآن . لأنه كما يبدو لا زال بحاجة لمن يعلمه أساليب السحر والحكم وسوق الرعية
مات الزعيم؟؟ لا، بل مات البلد . وكما يكتب على جميع النعوات:
“آل فلان وفلان وفلان ينعون إليكم لبنان، طالما أنهم من يوم الاستقلال بدؤوا ولا زالوا حتى الآن !!
وختاماً: “بتحب لبنان؟ غيّرله الطبقة الحاكمة كلها”.

آخر تحديث: 27 سبتمبر، 2014 1:25 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>