أنجز أكثر مما يزعم

«كنت نزيلاً دوماً في خيمة الرجاء والأمل… ولا بأس إذا هرمتُ على رصيف الانتظار». يُغوي هذا الإفشاء للسيد هاني بسهولة إدراجه في خانة الخيبة غير اللافتة، لأن تفرُّدها الموهوم لا يلبث أن ينضوي في عمومية الخيبات وانفلاشها في كل الاتجاهات. أو في خانة الأهواء والرغبات المتدنيّة عن رقيّ العزم والإرادة. إلا أن تماهي الفردي بالجمعي، حتى في نطاق الأحلام المكسورة التي تؤول إلى «أرصفة التاريخ، تحمل صورةً ثرةً عن الخروج إلى الملأ المختلف والمخالف الذي بات في حضارتنا المعاصرة مرادف الانفتاح وفضائله الواعدة والمحبة في آن.

لا تشبهه الأنماط المعدة سلفاً التي نُكره على مزاولتها، وعلى لباس هدومها. ولا تطوله التهم بأنه لا يتقن تحديد غده، ولا يحسن «تسطيح» قول ما يريده، وأمسُه لا يذخر بمزايا الاستقرار والاستكانة التي تليق بأصحاب المقامات والشهرة…

كاريسما السيد هاني تعصى مقاييسها على أرباب السياسة والنضال المبوَّب وطقوس التحزُّب التي لا يني نمطها يجدِّد مسلكه وقواعده وقيمه القابلة للتراكم والتراتب على مختلف الأهداف الكبرى الأرضية والسماوية. من «هرمَ على رصيف الانتظار» أنجز، في المطاف الأخير، أكثر مما يزعم القابعون على «هامش» الأرصفة. ثمة ما يوحي أن الكثير من الطفل الذي كانه يتشبث بمواكبة العمر متأبطاً «خيمة الرجاء والأمل» الملازم له. عنوان كتابه «ماضٍ لا يمضي» يفضح سرَّه هذا.

الولد اللامع في الكتابة الآسرة، الواعد بأديب شاعر لم يرغب مرةً في تسميته بما يتبدَّى بداهةً فيه بعيون الآخرين، كان دوماً أيضاً ذلك الذي يخرج إلى الجماعة الحيَّة، ينخرط معها، يقودها في يومياتها، يلهمها، يبني معها صداقات معمَّقة تكون المحبة والثقة المتبادلة غراءَها.

اقرأ حياته في نضالاته الجنوبية: في انتفاضة التبغ، والمقاومة الفلسطينية، و«حركته الوطنية» المصرَّة دوماً على الاستقلال عن قرارات «الحركة الوطنية» المركزية… و«ثورته» النجفية المتآزرة بوئام مع كل انتفاضاته الكاسرة لحواجز الفرقة المصطنعة بين الناس.

متأثراً بأحد نظرائه في المقلب «الآخر» المطران جورج خضر اللاهوتي العابد الشاعر في كتابه «لو حكيتُ مسرى الطفولة»، طفولته في مدينة طرابلس، ولواحقها، صاغ السيد هاني سلسلة مقالاته: «مسرى الطفولة على طريق الحوزة» (في العام 2010)، والحوزة هي العراق، وطنه الحميم الذي لم يخرج منه في كل حلّه وترحاله، حيث جبشيت قريته ليست في هذه الأوطان النقطة الأولى في الجغرافيا، بل الأفق الأبعد في الذكرى المتراكمة من غير انقطاع. موضعة «رصيف الانتظار»، مع ذلك، تبقى معبِّرة.

كلام عمره نيّف وسنتان، من مقال بعنوان: «أغنية على ممر الربيع العربي»؛ تزامنه عناوين أخرى مثل «الربيع العربي بين الرجاء والخوف» (العام 2013)، و«لا دولة دينية في الإسلام» (2012)… وكثافة ممارسته «السفارة» الفائقة الوطنية والإنسانية في لبنان وخارجه. وفي مقال «رصيف الانتظار» نفسه يقول، أو يطرح الصوت بأنه «مهموم بقضية العيش معاً في بلادي، وفي ما يليها من بلاد الناس»؛ وتفهم بالتالي «خروجه» المحبَّب، وحتى «الفاعل» في العمق، لأنه مفعم بروح متألقة بانفتاحها إلى كل «آخر» يجعل للوقائع معاني معيارية تفوق دلالاتها الوضعية اليائسة، يقترض الشعر ولا يقرضه، «لا يضيره بشيء أن يمشي وحده»، كما قال عنه صديقه المطران جورج خضر، تسمعه بتلذُّذ كما الجمهور الذي تمسُّه التجربة معه والذي شهدت على بعض أرقى توتراته النادرة الحدوث أقلَّه في مناسبتين في الحركة الثقافية ـ انطلياس: في كلامه في مئوية الأديب فؤاد سليمان وجمهوره من القوميين حيث حلّق معلِّماً وخطيباً وباحثاً في فلسفة الحضارات، وفي كلمته باللغة المحكيَّة ولأول مرة، حول ديوان شعر قزحيَّا ساسين، ونموذج مدهش بجديده النقدي اللغوي الخارج عن المألوف الشائع فيه…

كثيرون لهم مع السيد تاريخ طويل من المعرفة. تلك ليست حالي. لقد تكثفت مشاعرنا المشتركة في مناسبات حديثة ثريَّة قليلة فتحت الكلام المطوَّل والشائق عن «الكلام وأسرار غواياته» و«احتمالات» اللغة ومنها قوله، بل تحذيره: «حذار الكسل والتكاسل في حقول اللغة، واللغة العربية المفتوحة حقولها الدلالية على الاحتمالات التي لا تنتهي». إنه تماهٍ، والتباس غالباً ما ترتكبه أنفس في حالة وجـد، بين كلامها على الشعر وعلى الصداقة النادرة، المؤلمة الندرة.

آخر تحديث: 25 سبتمبر، 2014 12:13 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>