هزيمة النور

قلب صادق وحنون ومسالم ومتواضع كقلب السيد هاني فحص، لن يتحمّل هذه المقتلة التي تجري على مدّ النظر. هذه قسوة وصلف وتوحّش، أكثر مما يمكنه أن يصدّق أو أن يغيّر ويبدّل. كل الذين يعتقدون أنه كان لهم دور يؤدونه في حياتهم للجنوح نحو السلام والتآخي والحوار والعيش بهناء وترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر، هؤلاء يشعرون بهزيمة نورهم في هذا الظلام المنتشر. السيد هاني فحص واحد من هؤلاء. ما يؤذيهم يؤذيه، لكنه أكثرهم حساسية ورهافة، فكان الإرهاق أقوى من أن يتحمّله.

ما الذي كان يفكر فيه السيد هاني في أيامه الأخيرة وهو على فراش المرض، بينما يشاهد التفسّخ الهائل الذي يصيب نفوس البشر في هذه المنطقة، وبينما تحضّر حرب قاهرة بالطائرات والجنود من الميليشيات المحلية؟ لا بد من أنه شاهد الأبوكاليبس المقبل بغماماته السوداء التي ستزيد العتمة عتمة.
روح السيد هاني المرهفة لن تتحمّل هذا المشهد المرعب. لذا ترفرف الآن في الفضاء الرحب، في السلام الأبدي.
السيد هاني فحص من القلائل المتبقين من الجنوبيين القدماء، الذين كانوا لا يزالون على علاقة بالارض والمؤمنين وفق فطرتهم الطيبة، إيماناً صادقاً وبسيطاً لا يتخلله حزن غامر، كما هو عليه الآن. كان يريد لرجل الدين أو العامل في سبيل دعوة الناس الى حسن السبيل، ان يعود رجلاً عادياً يعيش بين الناس الذين يقتدون بأخلاقه الحميدة وحبّه للسلام، لا أن يتحوّل عضواً في فئة من رجال الدين الذين لا يتورعون عن دعوة الناس الى القتال والقتل.
خسارة السيد هاني، في هذا الزمن بالتحديد، هي خسارة فادحة، فالرجال الذين يصدّقون أن في إمكانهم الدفع بالانقلاب نحو التمدّن والتسامح، قلة في هذا الزمن، وخسارة واحد منهم كخسارة مجذاف. كخسارة معطف في عز البرد.
وداعاً سيد هاني، ولا تشغل قلبك علينا من هناك.

 

آخر تحديث: 8 أغسطس، 2017 2:33 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>